نهاية صلاحية الممرات المتنافسة في الشرق الأوسط بعد الحرب

91 مشاهدة
لم تكن مبادرة الحزام والطريق الصينية Built Road Initiative BRI التي أطلقت عام 2013 سرا بل شكلت ركيزة أساسية للسياسة الاقتصادية الخارجية للصين وتم إطلاقها برعاية الرئيس الصيني شي جين بينغ وتخصيص الموارد اللازمة لها اعتمادا على ثلاث ركائز أساسية مرتبطة بالبنية التحتية في الطاقة والنقل والاتصالات وحددت المبادرة مسارات برية وبحرية وأسست بنك التنمية الآسيوي برأسمال 100 مليار دولار لتوفير التمويل اللازم للمشاريع التي يتم التوافق عليها ضمن تلك المبادرة وتم الترويج لتلك المبادرة على أنها عودة الصين إلى مسرح الاقتصاد العالمي وبدأت معالمها تتضح من خلال الاستثمارات الكثيفة في مجالات النقل والموانئ والاستحواذ على حقوق التنقيب في العديد من الدول وبخاصة الأفريقية إذ حصلت الصين على العديد من حقوق التنقيب وامتيازات في أراض زراعية لتأمين الاكتفاء الذاتي في بعض المحاصيل وتحقيقا لهدف استراتيجي يتمثل بالسيطرة على المصادر الطبيعية لا سيما النادرة منها واتضح أن بكين تشق طريقها الخاص معتمدة بشكل شبه كامل على أدواتها الذاتية تكنولوجيا وماليا وسياسيا فلم تهتم كثيرا بحالة غياب الاستقرار في الكثير من المناطق التي قررت الاستثمار فيها على نحو استراتيجي وفي الحقيقة لم تهتم أيضا بمبادئ الحاكمية او انتشار الفساد السياسي في بعض الدول التي تلقت مساعدتها او استثماراتها كان الهدف هو التنويع ووضع اليد على مصادر أساسية للتصنيع إلى جانب بناء مصالح مشتركة تضمن على نحو ما استدامة العلاقات التي تم تأسيسها وضمانات تكفي لاستمرارية العمل بغض النظر عن التركيبة السياسية التي تعمل فيها وأثار السلوك الصيني علامات استفهام عديدة وغضب بعض الدول التي لم تكن قادرة على تنفيذ مبادرات شبيهة واستمرت الصين بالتوسع بهدوء قل نظيره إلا أن مصالح دول بدأت تتضرر وتتأثر سلبيا من هذا التمدد الصيني حصل ذلك بعد مرور 10 سنوات على إطلاق المبادرة الصينية ففي قمة مجموعة العشرين بنيودلهي في سبتمبر 2023 تم توقيع مذكرة تفاهم بين قادة كل من الولايات المتحدة الهند السعودية الإمارات فرنسا ألمانيا إيطاليا والاتحاد الأوروبي لإطلاق ما عرف بالممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا والذي يعرف اختصارا بـ India Middle East Europe Economic Corridor IMEC وركز هذا المشروع تقريبا على القطاعات ذاتها مع إضافة أبعاد تنموية وبيئية لتمييز هذا المشروع عن المبادرة الصينية التي قطعت شوطا لا يستهان به وللإشارة فإن هذا المشروع أثار استياء تركيا التي تم استثناؤها من الممرين الرئيسين اللذين تم التفكير فيهما ومهما يكن من أمر فإن الفارق الجوهري بين المبادرتين هو أن المبادرة الصينية تحللت من أعباء التكامل الإقليمي وسيادة حالة من الاستقرار وكان قرارها خاصا بها في حين أن المبادرة الهندية الأميركية كانت تحتاج إجماع فرقاء قرروا الاجتماع كردة فعل على ما تقوم به الصين كذلك في جانب منها فإن المبادرة الهندية تعتمد على ربط ساحل الهند الغربي بالإمارات عبر سكة حديدية تمر عبر السعودية والأردن لتصل إلى ميناء حيفا مما يعني ان إسرائيل تعتبر نقطة الربط قبل الوصول إلى أوروبا في حين أن الممر الصيني كان يستهدف المرور من العراق وسورية لاحقا وصولا إلى شواطئ المتوسط أما الجغرافية في البديل الهندي فتملي تطبيعا وثقة بين الأطراف المنضوية فيها والتعامل مع إسرائيل لاعبا أساسيا سعيا لإنجاح هذا المشروع مع كل ما يمليه ذلك من علاقات أيضا بين السعودية وإسرائيل والتساؤل المطروح اليوم في ظل البيئة الأمنية السائدة والحرب القائمة بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى هل ما زالت هذه الممرات صالحة كمشاريع تنموية تهدف إلى تعزيز التعاون الإقليمي إن ما يجري في المنطقة يشير بوضوح إلى ضرورة تعزيز التعاون الإقليمي بين دول المنطقة انطلاقا من ضرورة حمايتها لمصالحها واستدامتها فالتنافس بين الممرات ينطلق من واقع أن المنطقة ممر وليست ملاذا آمنا للاستثمار وبدلا من التفكير في أي الممرات هو الأكثر صلاحية يجب التفكير في كيفية تفعيل دور دول المنطقة في تقرير نوعية المشاريع التي يمكن أن تناسب اقتصاداتها وتولد فرص العمل لمواطنيها فالمقاربة السائدة والممرات المتنافسة لا تناسب الواقع الجديد الذي يفرض نفسه على إيقاع حرب ما زالت مآلاتها النهائية غير واضحة كذلك لا يمكن تجاهل المتغيرات الهائلة التي وقعت خلال العامين الماضيين في ثلاث دول مفصلية في تلك الممرات وهي سورية والعراق وإيران التي تشهد واقعا مضطربا حاليا حيث إن التغييرات السياسية وخاصة في سورية من شأنها تغيير الكثير من المعطيات والافتراضات التي كانت سائدة لقد تضررت البيئة الاستثمارية في دول الخليج بالإضافة إلى بعض مرافق البنية التحتية من خلال الأحداث الجارية بشكل غير مسبوق واتضح مدى هشاشة الترتيبات والاتفاقيات التي تنظم العلاقة بين دول المنطقة والعالم الخارجي ولا شك أن التفكير الأحادي في المصالح الذاتية لبعض الدول نجمت عنه تحديات كبيرة لن تحل عبر ممرات متنافسة لا ترى المنطقة سوى من منظور جغرافي ضيق يختصر التحديات إلى موانئ وطرق برية ومرافق بنية تحتية تخدم لاعبين كبارا بالدرجة الأولى وليس كمنطقة تحتاج رؤية تنموية خاصة تعيد إنتاج مواردها الطبيعية وتستغل موقعها الجغرافي على أسس تكاملية مع بقية دول العالم فالحرب الأخيرة وما نجم عنها من اختلالات في سلاسل التزويد تخرجنا من منطق التفكير الضيق إلى أفق أكثر رحابة في التعامل كأنداد ولعلها فرصة لمراجعة جدية تعزيز التعاون الإقليمي في المنطقة الأقل تكاملية مقارنة ببقية مناطق العالم

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح