صحافة أوروبا بين نار المافيا وضغوط السياسة

106 مشاهدة
في تصعيد خطير يستهدف حرية الصحافة في قلب أوروبا نجا الصحافي الاستقصائي الإيطالي سيغفريدو رانوتشي من محاولة اغتيال مساء الخميس الماضي بعد انفجار سيارته أمام منزله في بلدة بوميتسيا على مشارف العاصمة روما ورغم عدم وقوع إصابات خلف الانفجار أضرارا مادية جسيمة وأعاد إلى الواجهة الخطر المتزايد الذي يتهدد الصحافيين في إيطاليا الترهيب المنهجي من الجريمة المنظمة والضغوط السياسية المتصاعدة يعد رانوتشي مقدم برنامج التحقيقات الشهير ريبورت على التلفزيون الرسمي الإيطالي RAI من أبرز الصحافيين الاستقصائيين في أوروبا يخضع لحماية أمنية منذ عام 2009 بسبب تحقيقاته الجريئة حول الفساد والمافيا والروابط المشبوهة بين السياسة والجريمة المنظمة وتحقق الشرطة حاليا في احتمال تورط عصابة ندرانغيتا إحدى أقوى منظمات المافيا في أوروبا في محاولة اغتياله خصوصا بعد توجيه اتهامات سابقة إلى العصابة بتدبير هجمات ضده عام 2021 ورغم إدانة رئيسة الوزراء في إيطاليا جورجيا ميلوني الهجوم ووصفها له بأنه عمل ترهيب خطير وفق وكالة إنسا تشهد العلاقة بين رانوتشي وحزبها الحاكم إخوة إيطاليا توترا واضحا فخلال العام الماضي رفع الحزب دعوى تشهير ضد الصحافي وبرنامجه على خلفية تقارير ربطت شخصيات منه بشبكات الجريمة المنظمة حرية الإعلام في إيطاليا مؤشرات مقلقة وفق منظمة مراسلون بلا حدود تراجعت إيطاليا إلى المرتبة 49 عالميا في مؤشر حرية الصحافة لعام 2025 بانخفاض ثلاث نقاط عن العام السابق وتعزو المنظمة هذا التراجع إلى تزايد الملاحقات القضائية ضد الصحافيين الاستقصائيين خصوصا الدعاوى القضائية الاستراتيجية إلى جانب الضغوط السياسية على الإعلام العام ومحاولات توجيه تغطيته عبر التعيينات الحزبية كما أشارت المنظمة إلى ظاهرة جديدة تتمثل في شراء سياسيين من اليمين المتشدد لوكالات أنباء من بينها وكالة AGI التي انتقلت ملكيتها إلى نائب في حزب حاكم ما يثير مخاوف من تداخل المال بالسياسة والإعلام وأثارت مشاريع القوانين الجديدة وعلى رأسها ما يعرف بـقانون تكميم الأفواه legge bavaglio جدلا واسعا في الأوساط الإعلامية الإيطالية يسعى المشروع إلى تقييد نشر أوامر الاحتجاز والوثائق القضائية قبل بدء المحاكمات بذريعة حماية سمعة الأفراد وضمان مبدأ براءة المتهم غير أن منظمات حرية التعبير ترى فيه تهديدا مباشرا للصحافة الاستقصائية وحق الجمهور في المعرفة خشية استخدامه لتقييد الوصول إلى وثائق التحقيق الحساسة ولا سيما في قضايا الفساد والجريمة المنظمة ويشير مراقبون إلى أن المناخ الحالي يشجع الرقابة الذاتية والخوف من الانتقام داخل غرف الأخبار وبحسب بيانات رسمية يتمتع نحو 20 صحافيا إيطاليا بحماية دائمة من الشرطة فيما يخضع أكثر من 250 آخرين لمرافقة أمنية مؤقتة خلال تنقلهم أو في أثناء إعداد تقاريرهم وتقدر أرباح منظمات المافيا وعلى رأسها ندرانغيتا وكامورا وكوزا نوسترا بأكثر من 40 مليار يورو سنويا ما يجعلها قوى موازية ترهب كل من يتصدى لها أوروبا والاختبار الصعب عندما تصبح الصحافة هدفا رغم صورة أوروبا كقلعة للحريات والديمقراطية تواجه الصحافة المستقلة في جنوب وشرق القارة تحديات متصاعدة تحكم سياسي في الإعلام العام وملاحقات قضائية بتهم تشهير مدفوعة وتصاعد خطاب عدائي ضد الصحافيين يغذيه صعود اليمين الشعبوي والتشكيك الممنهج في مصداقية الإعلام في بولندا والمجر استحوذ حلفاء السلطة على وسائل الإعلام وفرضوا رقابة قانونية مقيدة للنشر وفي مالطا وسلوفاكيا اغتيل صحافيون استقصائيون مثل دافني كاروانا غاليزيا ويان كوتشياك بسبب تحقيقاتهم في الفساد واليوم تأتي محاولة اغتيال سيغفريدو رانوتشي لتذكر بأن هذا التهديد لا يزال حاضرا في قلب الاتحاد الأوروبي كما يتعرض الصحافيون في دول عدة لهجمات جسدية من قوات الأمن أو من متظاهرين معادين للصحافة ما يزيد هشاشة بيئة العمل الإعلامي ويقوض دور الصحافة سلطة رقابية مستقلة في أوروبا اليوم تتزايد المخاوف من استخدام التهديدات الأمنية ذريعة لتقييد الحريات وفرض رقابة على الإعلام باسم الاستقرار الداخلي ومع تصاعد القومية الشعبوية وتراجع ثقة الجمهور بالإعلام تجد الصحافة نفسها أمام معركة مزدوجة الدفاع عن استقلالها في مواجهة السلطة والحفاظ على مصداقيتها أمام جمهور متشكك محاولة اغتيال سيغفريدو رانوتشي ليست حادثا معزولا بل تعبير عن واقع يتقاطع فيه عنف المافيا مع ضغط السياسيين وثقافة الصمت الشعبي في مثل هذا المناخ تغدو حرية الصحافة معركة يومية تخاض في المحاكم وفي غرف الأخبار وفي الشوارع التي يخيم عليها الخوف فالدفاع عن الصحافة الاستقصائية اليوم هو دفاع عن الديمقراطية ذاتها وعن حق المجتمع في المعرفة والمساءلة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح