صادق جلال العظم ثورة فكرية ضد الذهنية التحريمية
في كتابه ذهنية التحريم: سلمان رشدي وحقيقة الأدب، الذي نشر عام 1992، يقدم المفكر العلماني والفيلسوف السوري صادق جلال العظم تحليلاً فلسفياً نقدياً للظاهرة السياسية والثقافية التي أثارتها رواية الآيات الشيطانية للكاتب سلمان رشدي. تُعد هذه الرواية، التي صدرت سنة 1988، محطةً مفصلية أثارت عاصفة من الجدل وأفرزت استجابات متباينة في الحقول الثقافية والدينية، وهو ما دفع العظم إلى التنقيب في مفهوم الذهنية التحريمية. هذه الذهنية، كما يصوغها العظم، تقوم على نمط من التفكير السلطوي المجبول بمنطق الإقصاء والمنع، إذ تعمل على تحريم كل ما يخرج عن أفق المعتقدات السائدة أو يتعارض معها، مما يكشف حالة من الانغلاق الفكري والمعرفي في البنية الذهنية للمجتمعات العربية.
يستهل العظم مقاربته بتفكيك آليات تلقي الفكر الديني للنصوص الأدبية، حيث يرسم ملامح منظومة من ردود الأفعال المتطرفة إزاء كل خطاب يعبر عن رؤى أو معتقدات مغايرة. وتبرز هنا الذهنية التحريمية بوصفها نمطاً معرفياً مغلقاً يتنكر لإمكان الحوار النقدي، ويعيد إنتاج مركزية النصوص الدينية كمرجعية مطلقة لا يجوز تجاوزها، الأمر الذي يحول دون قيام فضاء للنقاش الموضوعي. ويبين العظم أنّ جوهر التوتر بين الأدب والخطاب الديني يتمثل في إشكالية حرية التعبير، التي تُقوض عبر آلية التجريم الممنهج لكل اختلاف. وهكذا يتجاوز نقد العظم حدود السجال الأدبي ليطاول الحقول السياسية والفكرية والثقافية، مبرزاً أنّ الأزمة بنيوية تنعكس على مختلف مستويات الحياة الفكرية.
الذهنية التحريمية بوصفها نمطاً معرفياً مغلقاً يتنكر لإمكان الحوار النقدي، ويعيد إنتاج مركزية النصوص الدينية كمرجعية مطلقة لا يجوز تجاوزها
ومن خلال تفكيكه للجدل الذي أثارته رواية رشدي، يرى العظم أنّ أنماط الاستجابة التي صدرت عن بعض الأوساط تعكس تمظهرًا واضحًا للتعصب وضيق الأفق. فالرفض القاطع لأي محاولة للنقد الأدبي أو الانفتاح على رؤى جديدة يكشف، في نظره، عن تجسيد فعلي لـالذهنية التحريمية. وبينما يُفترض بالرواية أن تؤدى باعتبارها فعلاً جمالياً يتوجه إلى الوجدان الإنساني ويستدعي التفاعل مع الأبعاد الرمزية والخيالية، جرى التعامل معها كما لو كانت تهديداً مباشراً للمعتقدات. وهنا يؤكد العظم أن
ارسال الخبر الى: