عن شجون دير الزور وأخواتها
تُعدّ حادثة جديدة عرطوز في ريف دمشق، الأسبوع الماضي، عيّنةً من ملفّ كبير اسمه الجزيرة السورية بمحافظاتها الثلاث (الرقّة ودير الزور والحسكة) التي تمرّ في وضع بالغ الصعوبة. فقد عانت هذه المحافظات قبل الثورة السورية عام 2011 التهميش والتمييز، على الرغم ممّا تقدّمه للبلد من ثروات زراعية ونفطية وغازية، فضلاً عن أنّها الخزّان الأساس للقمح والقطن. وظلّت الخدمات الأساسية فيها متدنّيةً، سيّما التعليم والطبابة والكهرباء، فيما دفعت الجزيرة خلال 15 عاماً مضت ثلاث فواتير ثقيلة: الثورة على النظام، وخضوعها لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ثمّ حكم قوات سوريا الديمقراطية (قسد). وكانت النتيجة دماراً واسعاً في عدد من مدنها وبلداتها، وتحديداً في دير الزور، وهو ما أدّى إلى موجات نزوح وهجرة، وفُرِّغت مناطق واسعة من سكّانها. هاجر بعضهم إلى الخارج، فيما توزّع آخرون بين المدن السورية، وكانت دمشق واحدةً من أبرز وجهاتهم.
ومن يسير اليوم في شوارع العاصمة يمكن أن يلمس جانباً من معاناة الجزيرة في وجوه أبنائها الذين دفعتهم الحرب والفقر إليها. يأتي المرضى إلى دمشق بحثاً عن علاج لا يجدونه في مدنهم، فيما يضطر آخرون، تحت وطأة الفقر، إلى النوم في الشوارع. وهكذا انتقلت مأساة الجزيرة إلى قلب دمشق لتصبح مرئيةً لمَن لم يكن يرى سوى ثرواتها.
يجب الاعتراف بأنّ النازحين من مدن الجزيرة إلى دمشق لا يلقون دائماً استقبالاً كريماً، وتُواجَه إقامتهم في العاصمة بقدر من الرفض. يعود جانبٌ من ذلك إلى صعوبة الأوضاع في العاصمة نفسها التي باتت مزدحمةً وغير قادرةٍ على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين من مختلف محافظات سورية، ولا سيّما بعد سقوط النظام. لكنّ الصور النمطية الشائعة عن أبناء الجزيرة لدى قطاعات من السوريين، بما تحمله في طيّاتها من تمييز وتعالي، تزيد المشكلة حدّةً، وتدفع أحياناً إلى توتّرات اجتماعية ومواجهات. وهذا ليس أمراً وليد اليوم، بل له جذور تعود إلى مراحل سابقة، ويرتبط في جانب منه بغياب سياسات ثقافية وإعلامية تعرّف السوريين بتنوّع مكوّنات مجتمعهم، وتكرّس احترام هذا التنوّع بوصفه مصدر غنى. كما يتطلّب
ارسال الخبر الى: