شجاعة التفكيك والتفكير

28 مشاهدة

لا يحتاج المرء إلى كثير من التأمّل ليدرك أنّ أخطر ما يواجهه العقل ليس الجهل، بل ذلك اليقين السهل الذي يأتي معبّأً وجاهزاً، فيُستهلك كما هو، ويُعاد إنتاجه كما هو، من دون مساءلة أو رغبة في الفهم. هنا تحديداً تتبدّى وظيفة المثقّف كما أشار إدوارد سعيد، لا بوصفه حارسَ معرفة، بل بوصفه قلقاً حيّاً، يشتغل على تفكيك ما يُسلَّم به، ويعيد فتح الأسئلة التي أُغلقت قبل أوانها.

ليست المشكلة في الآراء بحدّ ذاتها، بل في تحوّلها إلى قوالب صلبة، تُمرَّر بين الأجيال وكأنّها حقائق نهائية. تلك الآراء المعلّبة تمنح صاحبها راحةً مؤقّتةً، إذ تعفيه من عبء التفكير، وتمنحه شعوراً زائفاً بالتماسك. غير أنّ هذه الراحة تأتي على حساب حيويّة العقل، وعلى حساب القدرة على رؤية التعقيد الذي يسكن كلّ قضية إنسانية. وحين يتنازل العقل عن حقّه في الشكّ، يصبح تابعاً حتى إن ظنّ نفسه في موقع القيادة.

المثقّف الحقيقي لا يطمئن إلى هذا النوع من الاستقرار. هو أقرب إلى مَن يضع إصبعه على موضع الألم، لا ليتلذّذ به، بل ليكشف أسبابه. يقاوم الإغراء الجماعي بالتصفيق السريع، ويُبقي مسافةً بينه وبين السائد، ليس تعالياً، بل حرصاً على ألا يتحوّل إلى صدى. في هذه المسافة تحديداً تتولّد الأسئلة الصعبة، وتتعرّى التناقضات التي يُراد لها أن تبقى مستترةً.

ولأنّ الآراء المعلّبة لا تعيش إلا داخل بيئة مغلقة، فإنّ أوّل ما يهدّدها هو الانفتاح. القراءة المتنوّعة، والاحتكاك بثقافات مختلفة، والاستماع إلى أصوات لا تشبهنا، ذلك كلّه يعمل على تفكيك البنية الصلبة للأفكار الجاهزة. هنا يصبح التفكير فعلاً يوميّاً، لا ترفاً نخبوياً، ويصبح الاختلاف ضرورة، لا خطراً يجب تجنّبه. غير أنّ تفكيك هذه الآراء ليس مهمّةً سهلةً، ولا هو فعل آمن دائماً. فكلّ فكرة راسخة تُحيط نفسها بسياج من القداسة الاجتماعية أو السياسية أو حتى العاطفية. ومَن يقترب منها بالنقد، يُتّهم غالباً بالخروج أو التشويش. ومع ذلك، فإنّ التراجع أمام هذا الضغط يعني التسليم باستمرار الجمود، ويعني القبول بعالم يُدار بالأفكار المستهلَكة، لا بالأفكار الحيّة.

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح