في شأن التكبيرات الدمشقية

68 مشاهدة

قلة أولئك الذين ينظرون إلى تكبيرات العيد في دمشق بوصفها طقساً دينياً فقط، ذلك أنها لطالما كانت جزءاً من مشهد واسع عميق ومحفور في الذاكرة الجمعية لمسلمي دمشق خصوصاً ولمجموع سكانها عموماً. فالتكبيرات التي كانت تبث مباشرة من الجامع الأموي بصوتها الموحد والجماعي لطالما أوحت لسامعها أنه يعيش ضمن جماعة تقدّم له الحماية، وتمنع عنه إحساس القلق والانعزال والتوتر، ليس فقط بسبب نمطها السماعي الثابت ذي الإيقاع المتكرّر والأداء الطربي، بل بسبب قدمها وتعاقبها جيلا بعد جيل، حتى شكلت طقساً سمعياً يربط ساكن دمشق بذاكرة جمعية مؤسّسة ومحمولة على ماض جمعي نوستالجي، موصول بالعلاقة مع المدينة والتاريخ الذي يستدعي المعنى الإيجابي لفكرة العيد وللطقوس المرافقة له. تحوّلت تكبيرات العيد في دمشق إلى هوية جمعية لسكان المدينة، قد تكون مؤقتة، لكنها الهوية المؤسّسة على المخيال الفردي المرتبط بالمجتمع الدمشقي.

تكبيرات العيد (عيد الأضحى لارتباطه بموسم الحج والوقوف على جبل عرفات) هي مخيال خصب لأجيال قديمة ومتعاقبة عاشت في مدينة مثل دمشق، المشهورة بإسلامها الصوفي المعتدل والمتسامح. مخيال عن الفرح المنظّم والمنضبط، الفرح القادم مع عيد يمتلك طابعاً جمالياً وبعداً زمنياً أسطورياً مرتبطاً بالعلاقة مع الإله المتسامح والرؤوف. هي أيضا مخيال عن بصمة وهوية أبدية لمدينة مثل دمشق بجامعها الأموي الشهير الذي لطالما أوحى، حتى للادينيين من سكانها، بعالم خال من الكراهية وبعيدٍ عن التشدّد، بعالم يشبه دمشق الحلم: متسامحة ودودة محبّة متنوعة، قابلة للاختلاف، لا مكان فيها للعنف لا المادي ولا المعنوي. كانت مشكلة سوريين كثيرين مع آل الأسد ونظامه هي السعي إلى تحويل دمشق إلى مدينة عسكرية لا تشبه المخيال عنها ولا حلم سكانها بها. كانت المشكلة بعد انطلاق الثورة أن النظام سمح بتغيير هويتها وطقوسها الدينية ومحاولة استبدالها بطقوس أخرى فرضتها وقتها قوة السلاح ووهم الانتصار.

المشكلة اليوم مع جحافل المشائين في شوارع دمشق وأحيائها والمتنقلين من حي إلى حي (بما فيها الأحياء المحض مسيحية)، ليست في التكبيرات الدينية، كما يحاول بعضهم الزعم. المشكلة الأولى في عشوائية هذه التكبيرات

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح