هل سيجود الزمن بنعمان آخر

يمنات
حسن الدولة
هناك رجال لا تقاس قامتهم بطول بقائهم في السلطة، بل بقدرتهم على مغادرتها عندما تصبح كلفة الصمت أكبر من كلفة الاستقالة، وعندما يصبح المنصب عبئا على الضمير لا وساما على الصدر.
ومن بين هؤلاء، يقف الأستاذ أحمد محمد نعمان شامخا في ذاكرة اليمن، لا لأنه كان عضوا في المجلس الجمهوري، ولا لأنه تقلد أرفع المناصب، رئاسة الحكومة أكثر من مرة، وقاد النضال كقائد لمدة عقد من الزمن. وإنما لأنه آمن أن المسؤولية موقف قبل أن تكون سلطة، وأن الوطن أكبر من كل الكراسي.
كان رفاقه في النضال يلقبونه بـ”أبي الأحرار”، لكنه، في تواضع العظماء، تنازل عن هذا اللقب لرفيق دربه الشهيد القاضي محمد محمود الزبيري بعد استشهاده، وكأن الرجل كان يرى أن الألقاب لا تساوي شيئاً إذا لم تصنعها التضحيات.
وفي التاسع عشر من نوفمبر 1967، بينما كانت اليمن تخرج مثخنة بالجراح من حرب استمرت خمس سنوات، اختار أحمد محمد نعمان أن يكتب صفحة ناصعة في تاريخ الضمير السياسي اليمني، عندما قدم استقالته من عضوية المجلس الجمهوري، احتجاجاً على تعطيل جهود المصالحة الوطنية واستمرار الطريق نحو الحرب.
وهذا هو نص الاستقالة كما كتبها:
سيادة الأخ القاضي عبدالرحمن الأرياني
رئيس المجلس الجمهوري – صنعاء
“بعد مقابلتي للوفد تأكد لي رفض اللجنة الثلاثية، ومؤتمر المصالحة، كما تبين لي أن المجلس الجمهوري لا يقوى على إعلان رأيه بصراحة فيما أجمعت الأمة العربية عليه في مؤتمر الخرطوم، وسبق لنا أن أيدناه جميعاً.
ولما كنت غير مستعد لأن أكون واجهة لوضع يدفع البلاد لحرب أهلية جديدة وصراعات أبعد مدى من الحرب التي تعرضت لها اليمن خلال خمس سنوات، ولا يعلم أحد مداها، فإني من اليوم أعتبر نفسي حراً من عضوية المجلس الجمهوري، متمنياً لكم السداد والتوفيق.
أخوكم
أحمد محمد نعمان
19 / 11 / 1967م”
لم تكن تلك الكلمات مجرد رسالة استقالة، بل كانت وثيقة إدانة مبكرة لكل سلطة ترى في استمرار الحرب خياراً سياسياً، ولكل مسؤول يفضل الاحتفاظ بمنصبه على حساب
ارسال الخبر الى: