سورية المقبلة دولة قانون أم خرائط هويات
في اللحظات التي تُعاد فيها صياغة الدول، كما هو حال سورية اليوم، تكون كلفة الخطأ السياسي والدستوري أعلى من أي وقتٍ آخر. ما يُقرَّر في هذه المرحلة لا يرسم فقط شكل النظام السياسي، بل يحدّد أيضاً طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع لعقودٍ قادمة. المرحلة الانتقالية هي اللحظة التي تُعرَّف فيها هوية الدولة، وتوضع فيها قواعد السلطة، ويُحسَم فيها إن كان ميزان القوة سيبقى بيد السلاح والولاءات، أم سينتقل إلى يد الدستور والقانون والمواطنة المتساوية.
بعد عقود من حكم البعث والأسد، وما خلّفه من استبداد ودمار، ما زالت أمام السوريين فرصة لإعادة تعريف الدولة على أسس جديدة: الانتقال من دولة أمنية مركزية إلى دولة قانون تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات. غير أن هذه الفرصة يمكن أن تضيع إذا استمر التعامل مع المرحلة الانتقالية بعقلية الغلبة والثأر والمحاصصة، بدلاً من النظر إليها كمساحة تأسيسٍ مشتركة تجمع كل السوريين على قواعد جامعة.
النقطة الجوهرية في أي تأسيس لسورية الجديدة أن تكون دولة واحدة موحّدة تُدار على أساس المواطنة، مع توزيع عادل للسلطة عبر لامركزية إدارية متقدمة أو فيدرالية جغرافية، لا على أساس ديني أو طائفي أو قومي. الفيدرالية هنا ليست جائزة ترضية ولا امتيازاً لقومية بعينها، بل وسيلة لتنظيم الدولة وتخفيف تركّز السلطة في العاصمة، مع بقاء القضايا السيادية في يد دولة مركزية قوية بالمؤسسات، لا بالأجهزة الأمنية.
الحل العملي هو الاعتراف الواسع والمحصَّن دستورياً بالحقوق الثقافية واللغوية لكل المكوّنات، مع اعتماد لامركزية إدارية أو فيدرالية جغرافية تقوم على أسس إدارية واقتصادية واضحة
من الضروري التمييز بين الحقوق الثقافية واللغوية من جهة والفيدرالية القومية من جهة أخرى. الحقوق الثقافية واللغوية يمكن ضمانها بالكامل ضمن دولة واحدة تقوم على المواطنة المتساوية، من خلال الاعتراف باللغات والثقافات المحلية وحمايتها تعليمياً وثقافياً. أما الفيدرالية القائمة على أساس قومي، فتعني عملياً إنشاء وحدات سياسية قائمة على الهوية، بما قد يفضي إلى تكوين دولة داخل الدولة، خصوصاً في ظل ضعف المركز وانتشار السلاح خارج المؤسسات الرسمية.
كثيرون
ارسال الخبر الى: