سمير اليوسفي يكتب أيلول غرق في 72 مليون دولار
51 مشاهدة

صدى الساحل - بقلم - سمير اليوسفي
حقيبةٌ مدرسيةٌ مبللة، وحذاءٌ صغيرٌ لن يعود صاحبه ليلبسه، هذا ما تبقى من أيلول عيبان السامعي، ابن الحادية عشرة، تلميذ الصف الخامس الذي خرج من مدرسته في حي الكوثر بتعز ولم يصل إلى بيته.ابتلعته فتحةٌ مكشوفة في الأرض، داخل مدينةٍ أُنفق عليها 72 مليون دولار لحمايتها من السيول.
اثنان وسبعون مليونًا، بالدولار، ليست بالريال اليمني الذي لم يعد يُطبع، والمائة منه لا تشتري حبة بطاطس. دفعها البنك الدولي والحكومة اليمنية منذ تسعينيات القرن الماضي، وكأن الأرقام وحدها كافيةٌ لردع السيول.
أين ذهبت؟ سؤالٌ لا يطرحه أحد، لأن الجميع يعرف الإجابة، والجميع يصمت.
وثائق البنك الدولي تقول إن المشروع شقّ 20.7 كيلو مترًا من قنوات الحماية، ورصف 28.5 كيلو مترًا من الطرق، وبنى 20 جسرًا للمشاة. وتقول أيضًا إن الوفيات بالسيول انخفضت إلى صفر عام 2007، وهو رقمٌ أنيقٌ يصلح لتقارير المانحين وحفلات التوقيع في فنادق جنيف.
لكن الصفر لم يصمد طويلًا.
في 2024، ابتلعت سائلة الكوثر ذاتها الطفلين أنمار وعبدالرحمن الرازقي، وقبلهما سعيد المقرمي، ثم جاء دور أيلول. نفس السائلة، نفس الحي، نفس الفتحة، والغطاء الحديدي الذي ركّبه أحد فاعلي الخير قبل عامين على تلك الفتحة تحديدًا، انتزعه السكان لإلقاء القمامة.
في تعز، حين يُغلق بابٌ للموت، يفتحه الإهمال من جديد.
استغرق البحث عن أيلول ثماني عشرة ساعة من الغطس في مياهٍ ملوثة، والزحف في أنفاقٍ مظلمة، والمشي خمسة كيلو أمتار ونصف الكيلو متر داخل مجرى السيل. لم يفعل ذلك الدفاع المدني وحده، بل شبابٌ متطوعون بأيديهم العارية تجاوزوا خطوط التماس ودخلوا مناطق سيطرة الحوثيين، لأن السيل لا يعترف بالجغرافيا السياسية ولا يطلب إذن مرور.
وحين عُثر على الجثمان في سد العامرية، لم تكن هناك فرقة إنقاذ رسمية. كان هناك شابٌ اسمه عمران عبده علي، غاص في مياهٍ آسنة، شرب منها، وأخرج أيلول بيديه، فكافأه المواطنون من جيوبهم، أما الدولة، فكافأته ببيان.
المفارقة أن تعز لم تكد تجفف دموعها على أيلول، حتى
ارسال الخبر الى: