سرقة السوار الملكي سطر من سيرة نهب آثار مصر

121 مشاهدة
أعادت عملية سرقة السوار الملكي من معمل الترميم في المتحف المصري أثناء الاستعداد لإعارته ضمن معرض خارجي فتح ملف سرقات آثار مصر على مصراعيه في قضية تكشف أن الخلل لم يعد مقتصرا على ضعف الحماية في المخازن أو المواقع البعيدة بل امتد إلى قلب المؤسسة الأثرية الأبرز في البلاد وبينما أشارت المصادر الأولية إلى أن القطعة تعود إلى مجموعة ملوك تانيس في الأسرة الحادية والعشرين تضاربت الروايات حول ما إذا كانت تخص الفرعون بسوسنس الأول أو أمنموبى في وقت تحدثت فيه تقارير عن ضعف إجراءات المراقبة داخل معمل الترميم وإحالة موظفين إلى التحقيق كشفت وزارة الداخلية المصرية في بيان لاحق تفاصيل الواقعة إذ تبين أن مرتكبة الجريمة هي إحدى أخصائيات الترميم في المتحف المصري وتمكنت من سرقة السوار يوم التاسع من الشهر الحالي بأسلوب المغافلة قبل أن تتواصل مع أحد معارفها من أصحاب محال الفضة في حي السيدة زينب بالقاهرة ليبيعها بدوره إلى مالك ورشة ذهب في الصاغة مقابل 180 ألف جنيه نحو 3700 دولار أميركي الأخير أعاد بيعها إلى عامل في مسبك ذهب بمبلغ 194 ألف جنيه نحو 4 آلاف دولار أميركي لتصهر ضمن مصوغات أخرى بغرض إعادة تشكيلها وأوضحت الداخلية أن المبالغ المالية حصيلة البيع ضبطت بحوزة المتهمين الذين اعترفوا بالواقعة واتخذت الإجراءات القانونية بحقهم وتأتي الحادثة الأخيرة امتدادا لمسار طويل من السرقات والتجاوزات التي طاولت كنوز مصر منذ عقود فمنذ تسعينيات القرن الماضي ومع تولي فاروق حسني وزارة الثقافة تكشفت فضائح سرقة من مخازن سقارة والجيزة والأقصر من دون أن تصل التحقيقات إلى محاسبة حقيقية وعام 2010 فقد متحف محمد محمود خليل في القاهرة لوحة فان غوخ الشهيرة زهور الخشخاش في حادثة أثارت صدمة دولية وما زالت تثير التساؤلات حتى اليوم ثم جاءت أحداث 2011 لتشهد اقتحام المتحف المصري نفسه وسرقة قطع من بينها تماثيل لتوت عنخ آمون قبل أن يستعاد بعضها لاحقا وعام 2013 تعرض متحف ملوي في المنيا لنهب شامل بينما شهد عام 2015 واحدة من أكثر الفضائح دلالة حين أعيد لصق لحية قناع توت عنخ آمون بمادة غير مناسبة ما أدى إلى إحالة ثمانية مسؤولين إلى المحاكمة بتهمة الإهمال لم تقتصر القضايا على سرقات المتاحف إذ فجرت السلطات المصرية عام 2018 قضية تهريب كبرى بعد ضبط حاوية دبلوماسية مشحونة إلى إيطاليا بقطع أثرية مصرية اتهم فيها الفنان بطرس غالي شقيق وزير المالية السابق يوسف بطرس غالي إلى جانب آخرين من رجال أعمال وموظفين وقد كشفت عن حجم الشبكات المتورطة في الاتجار غير المشروع بالآثار قبل أن تحيل النيابة العامة المتهمين إلى المحاكمة وقبلها في عام 2004 اختفت 38 قطعة ذهبية من المتحف المصري بينها 36 سوارا وخاتمان تعود إلى العصرين اليوناني والروماني وقدرت قيمتها التأمينية وقتها بنحو 150 مليون جنيه من دون أن تظهر تفاصيل واضحة عن مصيرها لاحقا تكشف هذه الوقائع أن الظاهرة ليست عرضية بل بنيوية إذ تتكرر السرقات والاعتداءات رغم تغير الإدارات والوزراء ويؤكد خبراء أن التواطؤ الداخلي يمثل جزءا من المشكلة سواء عبر تسهيل خروج القطع أو عبر التغاضي عن ثغرات جسيمة في منظومة الحماية فالمخازن والمواقع الأثرية لا تخضع لجرد رقمي محكم ومعامل الترميم تفتقر في كثير من الأحيان إلى كاميرات مراقبة وأجهزة تأمين حديثة فيما تبقى منظومة المساءلة ضعيفة أو شكلية بحسب خبراء فإن مصر التي تنفق مليارات الجنيهات على إنشاء متاحف جديدة ومشروعات سياحية ما زالت عاجزة عن صون أساسيات الحماية لآثارها داخل المؤسسات القائمة وتكرار الحوادث لا يقتصر ضرره على فقدان قطع لا تقدر بثمن بل يمتد إلى سمعة الدولة في المحافل الدولية فشركاء مصر من المتاحف والبعثات الأجنبية باتوا ينظرون بحذر متزايد إلى سياسات الإعارة والمعارض الخارجية وسط مخاوف من ضعف معايير الأمن والرقابة يؤكد الخبراء أن حادثة السوار الملكي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة ما لم يجر التعامل مع الملف باعتباره قضية أمن قومي فالمطلوب ليس بيانات تطمينية بل إصلاح مؤسسي شامل يبدأ من تحديث منظومات الجرد والتوثيق مرورا بتشديد إجراءات الترميم والنقل والإعارة وصولا إلى محاسبة صارمة لأي مسؤول يثبت تورطه أو تقصيره وإلى أن تتحقق هذه القفزة ستظل مصر مهددة بخسارة المزيد من إرثها الفريد وسيبقى العالم يتابع بأسى كيف تتعرض حضارة عمرها آلاف السنين للنهب المتكرر تحت أعين أصحابها في هذا السياق قالت الخبيرة الآثارية وعالمة المصريات الدكتور مونيكا حنا لـالعربي الجديد إن المشكلة لا تكمن في المرممين أو أمناء المتحف بل في النظام نفسه موضحة أن مثل هذه الحوادث تقع في معظم المتاحف نظرا إلى غياب منظومة صارمة وأشارت إلى أن غياب بروتوكول واضح لتداول القطع الأثرية داخل المتاحف والمخازن يمثل ثغرة خطيرة مؤكدة ضرورة وضع بروتوكول محكم يحدد بدقة خطوات التعامل مع الآثار بما يضمن حمايتها ويحول دون تكرار مثل هذه الوقائع أوضحت حنا أن من يتاجرون بالآثار فعليا هم من أصحاب الأموال الطائلة ورجال الأعمال الكبار وليس المرممون الذين يضطر بعضهم أحيانا إلى شراء مواد الترميم من ماله الخاص ولا أمناء المتحف الذين لطالما حافظوا على تراث مصر وشددت على أن هؤلاء العاملين هم خط الدفاع الأول عن الحضارة المصرية مضيفة ينبغي أن نقف إلى جانبهم بدلا من أن نوجه لهم اتهامات باطلة وأن نبحث عن الفاعل الحقيقي والمستفيد من الاتجار بالآثار أكدت حنا أن البروتوكول المطلوب يجب أن يتضمن جردا رقميا متكاملا للقطع الأثرية مع تحديث الصور دوريا إضافة إلى تزويد أماكن الحفظ والترميم بكاميرات مراقبة متطورة وتطبيق نظام سلسلة الحيازة الذي يحدد بدقة الأشخاص المصرح لهم بالتعامل مع كل قطعة وأوقات ذلك التعامل واعتبرت أن تطبيق هذه الإجراءات بجدية من شأنه أن يغلق الباب أمام أي محاولات للسرقة أو الإهمال وأن يعيد الثقة بقدرة المؤسسات المصرية على صون تراثها وحماية حضارتها في بيان رسمي لها أوضحت وزارة السياحة والآثار الثلاثاء الماضي أنها اتخذت الإجراءات القانونية كافة فور علمها بواقعة اختفاء إحدى الأساور الأثرية من معمل الترميم بالمتحف المصري إذ أحيلت الواقعة إلى الجهات الشرطية والنيابة العامة وأبلغت الجهات المعنية لاتخاذ ما يلزم من إجراءات شكلت الوزارة لجنة متخصصة لحصر ومراجعة جميع المقتنيات الموجودة داخل معمل الترميم فيما عممت احترازيا صورة القطعة المختفية على مختلف الوحدات الأثرية في المطارات والموانئ والمنافذ الحدودية في أنحاء الجمهورية وأكد مدير عام المتحف المصري أن الصور المتداولة على بعض المواقع ومنصات التواصل الاجتماعي لا تخص الإسوارة المختفية موضحا أن القطعة محل التحقيق مختلفة تماما وهي إسوارة ذهبية مرصعة بخرز كروي من اللازورد تعود إلى مقتنيات الملك أمنمؤوبي من عصر الانتقال الثالث بينما الأساور الظاهرة في الصور المعروضة للجمهور موجودة بالفعل في قاعات الدور الثاني في المتحف وأشارت الوزارة إلى أن تأجيل الإعلان عن الواقعة جاء بهدف توفير مناخ مناسب يضمن سير التحقيقات بسلامة سياسيا ورقابيا دخل البرلمان على خط الأزمة فقد وجهت النائبة مها عبد الناصر سؤالا برلمانيا إلى رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ووزير السياحة والآثار شريف فتحي بشأن سرقة السوار معتبرة أن الحادث يعكس صورة سلبية عن استعدادات افتتاح المتحف الكبير بالقرب من أهرامات الجيزة أحد أكبر متاحف العالم أشارت النائبة في مداخلتها إلى أن فقدان قطعة أثرية من معمل مخصص للترميم يستدعي إعادة تقييم آليات التأمين والرقابة وأن أي خلل أمني أو إداري في المتحف المصري يلقي ظلالا من القلق على باقي المواقع الأثرية والمخازن في أنحاء الجمهورية طالبت عبد الناصر الحكومة بإجابات واضحة حول موعد اكتشاف السرقة والخطوات المتخذة منذ ذلك الحين إضافة إلى طبيعة أنظمة الحصر والتوثيق والتأمين داخل المعامل والمخازن ومدى توافقها مع المعايير الدولية ومع الاستعدادات لافتتاح المتحف الكبير يرى خبراء أن المفارقة تكمن في أن الدولة ترفع الصوت عاليا مطالبة باسترداد الآثار المصرية المنهوبة في الخارج بينما تتكرر حوادث السرقة في الداخل يشير الخبراء إلى أن تبرير غياب كاميرات المراقبة داخل قاعة الترميم يبدو مريبا في وقت تمتلئ فيه أرجاء المتحف بكاميرات متطورة ما يطرح تساؤلات عن كيفية اختفاء السوار وغيره من الكنوز التي اختفت من قبل وما إذا كانت قد هربت بالفعل إلى خارج البلاد يؤكد هؤلاء أن استعادة القطع حتى في حال تهريبها قد تكون ممكنة بالنظر إلى أنها مسجلة ضمن مقتنيات المتحف المصري وأن ظهورها في أي صالة مزادات أو سوق آثار دولية سيسهل استردادها قانونيا غير أن تكرار الحوادث نفسها يثير شكوكا أعمق حول كفاءة منظومة الحماية يرى الخبراء أن استمرار هذه الثغرات يقوض صورة مصر أمام العالم ويضعف حجتها الأخلاقية في المطالبة بعودة الآثار المهربة إلى الخارج ما دام الداخل لم يحصن بعد

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح