سبتة عندما تصبح الهوية تهمة

44 مشاهدة

بعتُ دراجتي حتى أحصل على المال الذي أدفعه للمُهرّب. لم تكن هذه الجملة مجرد تفصيل عابر في تقرير تلفزيوني عن محاولات العبور إلى مدينة سبتة. كانت شابة تتحدث بغضب وانكسار، يدفع المشاهد إلى أن يضع نفسه مكانها. لم تقل إنها تبحث عن الثراء، ولم تتحدث عن مغامرة أو عن حلم كبير. كانت تريد فقط أن تغادر واقعاً لم يعد يُحتمل.

توقفتُ عند الجملة أكثر من الصورة. لم أرَ مهاجرة غير شرعية، كما تصفها العناوين، بل رأيت امرأة باعت شيئاً تملكه لتشتري احتمالاً، لا أكثر. دراجة تحولت إلى ثمن للأمل.

لكن ما إن انتقلت تلك القصة إلى فضاء وسائل التواصل الاجتماعي حتى اختفت المرأة. لم يعد هناك وجه ولا صوت ولا قصة. بقيت كلمة واحدة: المهاجرون. ثم بدأت التعليقات تتدفق، لا لتحاكم أفعال أشخاص بعينهم، بل لتحاكم شعباً بأكمله. وكأن ملايين البشر يمكن أن يصبحوا شخصاً واحداً، له عقل واحد، وأخلاق واحدة، ودوافع واحدة.

من الإنسان إلى الصورة

في رواية المحاكمة لكافكا، يستيقظ جوزيف ك. ليجد نفسه معتقلاً، من دون أن يعرف ما التهمة الموجهة إليه. لا أحد يشرح له سبب اتهامه، لكن الجميع يتصرف كما لو أن ذنبه أمر مفروغ منه. تكمن عبقرية كافكا في أنه لا يكتب عن محكمة فقط، بل عن اللحظة التي يصبح فيها الإنسان أسير صورة صُنعت عنه قبل أن تُعرف حقيقته.

قد يبدو هذا العالم الكافكوي بعيداً عن واقعنا، لكنه يحضر يومياً في الخطاب العام ووسائل التواصل الاجتماعي. فكما أصبح جوزيف ك. متهماً قبل أن يُسمع دفاعه، تتحول شعوب كاملة اليوم إلى متهمة بسبب فعل أفراد أو جماعات صغيرة. وما إن ترتبط صورة معينة بهوية ما، حتى يصبح كل فرد ينتمي إليها مطالباً بإثبات براءته.

من السهل أن نُحاكِم فعلاً. ومن المشروع أن نختلف حول السياسات، أو قوانين الهجرة، أو أمن الحدود. لكن شيئاً آخر يحدث في زمن الإعلام السريع ومنصات التواصل: تتحول الحادثة إلى هوية، والفرد إلى جماعة، والجماعة إلى صورة نمطية.

إنها

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح