يشكل الاستشراق أحد أكثر المفاهيم جدلا في فهم العلاقة بين الشرق والغرب إذ لم يكن مجرد خطاب معرفي بقدر ما كان أداة لصياغة صورة الآخر والتحكم فيها ومن خلال هذا المنظور تتبدى أهميته بوصفه مدخلا لقراءة تاريخ طويل من التمثيل غير المتكافئ في هذا السياق يأتي كتاب الاستشراق والهيمنة الخطاب الكولونيالي والسيطرة على الشرق العربي مؤسسة دراسات الوحدة العربية بيروت 2026 للباحث والشاعر التونسي سامي الذيبي محاولة لتفكيك هذا الإرث المعرفي وكشف بنياته العميقة التي لا تزال فاعلة حتى اليوم ينطلق الذيبي من فرضية مركزية مفادها أن الاستشراق مؤسسة معرفية متكاملة تشكلت داخل مراكز القوة الاستعمارية وأسهمت في تثبيت الهيمنة عبر إنتاج معرفة موجهة ومن خلال تحليل دقيق لما يسميه الشفرات الخفية للخطاب الاستشراقي يكشف كيف تحول الشرق إلى موضوع للدرس والتصنيف ضمن قوالب جاهزة تقصيه عن تعقيداته التاريخية والاجتماعية وتعيد تقديمه في صورة نمطية تخدم رؤية الغرب لنفسه ويعود الكتاب إلى الجذور الأولى للاستشراق ليؤكد أن العلاقة بين الشرق والغرب كانت مشبعة بهاجس السيطرة والتوسع منذ بداياتها وفي هذا الإطار يستعرض الذيبي المدارس الاستشراقية المختلفة من الفرنسية والبريطانية إلى الأميركية والألمانية موضحا أنه رغم اختلاف أدواتها ومناهجها التقت في نهاية المطاف عند إنتاج صورة موحدة تقريبا عن شرق دوني مقابل غرب متفوق يحتكر العقلانية والتقدم ويبرر لنفسه دور الوصي محاولة لإنتاج وعي بديل في عالم لا تزال تحكمه تمثلات استعمارية يتوقف الكتاب عند إسهام إدوارد سعيد الذي شكل تحولا نوعيا في نقد الاستشراق خصوصا من خلال كتابه الاستشراق 1978 حيث كشف العلاقة العضوية بين المعرفة والسلطة وأعاد مساءلة الأسس التي قام عليها هذا الحقل غير أن الذيبي لا يكتفي بالإشادة بهذا المشروع بل يذهب إلى ما هو أبعد متتبعا النقد الذي وجه إليه ومحاولا الوقوف عند حدوده وإشكالاته خاصة في ما يتعلق بقدرته على تفكيك البنية الغربية من الداخل وبموازاة ذلك يسلط الكتاب الضوء على مشروع علم الاستغراب للمفكر المصري حسن حنفي بوصفه محاولة عربية طموحة لقلب المعادلة المعرفية من خلال تحويل الغرب من ذات دارسة إلى موضوع للدراسة إلا أن الكتاب لا يتعامل مع هذا المشروع بوصفه بديلا ناجزا بل يناقشه نقديا متوقفا عند طموحاته من جهة وإخفاقاته وحدوده من جهة أخرى في المحصلة يقدم الكتاب أطروحة واضحة ترى أن الصراع مع الاستشراق هو في جوهره صراع على التمثيل إذ إن امتلاك القدرة على تعريف الآخر وتوصيفه يمنح سلطة ضمنية للهيمنة عليه ومن هذا المنطلق يطرح تمرينا نقديا ضروريا لإعادة بناء الذات العربية خارج المرايا المشوهة التي رسخها الخطاب الاستشراقي سعيا نحو إنتاج وعي بديل قادر على المواجهة في عالم لا تزال تحكمه تمثلات استعمارية وإن بأشكال أكثر حداثة وخفاء