سام برس دول أكثر سيادة أقل

بقلم/ د. هشام عوكل
عندما تأسست الأمم المتحدة عام 1945 كانت 51 دولة كافية لإدارة عالم خرج لتوه من حرب كونية. اليوم في عام 2025 أصبح عدد الدول الأعضاء 193 دولة ولا تكفي لمنع حرب واحدة فكلما ازداد عدد الدول على الورق تضاءل معنى الدولة في الواقع. هذه ليست مفارقة رقمية بل علامة على تحوّل بنيوي عميق في النظام الدولي حيث لم تعد المشكلة في عدد الدول بل في وظيفة الدولة نفسها. الدولة التي كانت كيانًا سياديًا قادرًا على القرار أصبحت وحدة سياسية تُدار أزماتها بدل أن تُحل وتُستبدل سيادتها بترتيبات أمنية واقتصادية تُفرض من الخارج.
: من الدولة إلى الكيان إلى الهوية
تفكك الاتحاد السوفيتي لم يكن نهاية نظام فقط بل كان بداية نموذج. دول وُلدت بسرعة بعضها استقر وبعضها بقي يبحث حتى اليوم عن معنى السيادة والاستقلال الفعلي. ثم جاءت تجربة يوغوسلافيا لتؤكد المسار نفسه حيث أنتج التفكك دولًا متعددة وعضوية كاملة في المنظمات الدولية لكن مع هشاشة داخلية واعتماد دائم على الخارج. السؤال الذي بقي معلقًا هو ما إذا كانت الشرعية الدولية تصنع دولة أم تمنح غطاءً مؤقتًا لكيانات لم تكتمل عناصرها السيادية. الشرق الأوسط والعالم الإسلامي كنموذج للتفكك المُدار
هذا النموذج لم يبق أوروبيًا بل انتقل إلى الشرق الأوسط والعالم الإسلامي حيث تلاقت هشاشة الداخل مع حسابات الخارج. هنا لم يعد التفكك احتمالًا نظريًا بل واقعًا يوميًا يُدار عبر الطائفية والإثنية والهويات الفرعية بدل مشروع وطني جامع
أوروبا وتآكل الكيانات فوق الوطنية
هذه الديناميكية لا تستثني أحدًا حتى أوروبا نفسها. الاتحاد الأوروبي يواجه اختبار وجود سياسي وسيادي حقيقي. خروج بريطانيا لم يكن حادثًا منفصلًا بل أول شق علني كشف عمق التناقض بين الأجندات الوطنية داخل الاتحاد. الحرب الروسية الأوكرانية عمّقت الخلافات حول الأمن والطاقة والعقوبات وحدود القرار السيادي فأظهر الاتحاد قدرة على إدارة السوق مقابل عجز عن إنتاج قرار موحد في القضايا المصيرية. ما يجري ليس انهيارًا معلنًا بل تآكلًا بطيئًا يُدار سياسيًا ويُخفى إعلاميًا.
القوة
ارسال الخبر الى: