سام برس حصاد العمر عبر من مدرسة الحياة

بقلم/ القاضي د. حسن حسين الرصابي
إن الحياة التي نحياها ليست مجرد محطات زمنية نعبرها سبهللاً، بل هي مدرسة كبرى جامعة، لا تمنح شهاداتها حبراً على ورق، وإنما تحفر دروسها خطوطاً عميقة في القلوب، وعِبراً حية في العقول؛ ومن وعى هذه الدروس، وتدبّر في تقلباتها، نجا بفضل الله، وبنى لآخرته ودنياه أساساً راسخاً لا تزعزعه الخطوب ولا تعصف به النازلات.
الثقة والعمر: رأس مال اللبيب
إن أولى الحقائق التي يستقرئها اللبيب في معترك هذه الدنيا، هي أن هناك خطوطاً حمراء في العلاقات الإنسانية إذا كُسرت لا تُجبر، وعلى رأسها الثقة. فالإيمان والأمان صنوان، والثقة هي زجاج القلوب؛ إن تخرّش ساءت الرؤية، وإن انكسر استحال ترميمه. وكل شيء في هذه الدنيا قد يحتمل فرصة ثانية والتماس عذرٍ جديد، إلا ثقةً ذُبحت بسكين الخيانة؛ فالخيانة جرح غائر في الذاكرة لا يمحوه تقادم السنين، وتظل ندبته شاهدة على خذلان المشاعر ونكث العهود.
وإلى جانب الثقة، يبرز العمر كأثمن ما يملكه المرء في رحلته؛ فهو أنفاسٌ تتردد، وأيامٌ تنقضي سراعاً. وكل مفقود في هذه الدنيا يمكن استدراكه وتعويضه بمالٍ يُبذل أو بجهدٍ يُضاعف، إلا اللحظة التي تمر من العمر؛ فإنها تمضي قطاراً بلا عودة، وتقتطع معها جزءاً من كينونة الإنسان وجوده. فالمغبون من فرّط في وقته، والكيّس الفطن من اغتنم أنفاسه فيما يقرّبه إلى الله.
السيرة والعمل: الباقيات الصالحات
إذا كان الموت غاية كل حي، ومصيراً حتمياً لا مفر منه، فإن اللبيب هو من يصنع لنفسه حياةً ثانية وهو فوق التراب، لتستمر ممتدةً بعد رحيله وتوسّده الثرى؛ وتلك هي السيرة الطيبة. يموت الجسد وتبلى العظام، وتظل الكلمة الصادقة والأثر الحسن والأخلاق الزاكية يفوحان مسكاً عاطراً في مجالس الأحياء، تلهج بها الألسن بالثناء والدعاء.
وما هذه السيرة الطيبة إلا ثمرة غراسٍ أعمق في النفوس، وهو العمل الصالح. إننا في هذه الدنيا نجمع ونبني، ونربح ونخسر، ولكن الخسارة الحقيقية والندامة الكبرى هي خلوّ الميزان يوم العرض على الجبار. كل مكسب دنيوي، مهما عظم، عُرضة للزوال والنفاد،
ارسال الخبر الى: