سام برس تجار المذاهب وغرق الأوطان

بقلم / عادل عبدالله
في عالم تتقاذفه أمواج التحولات الجيوسياسية المتسارعة وتتجاذبه صراعات المصالح والإستراتيجيات الدولية يبرز التشرذم المذهبي والطائفي كأحد أخطر التحديات الوجودية التي تواجه مجتمعاتنا العربية والإسلامية في العصر الحديث حيث تحولت الهويات الصغرى إلى معاول هدم لكيان الأمة الكبير ومصدر تهديد مباشر لاستقرارها وبقائها.
إن القراءة المتأنية والعميقة لتاريخ المنطقة ومسارها الراهن تكشف عن هوة سحيقة انزلقت إليها الأمة حين تخلت عن جوهر الدين الحنيف القائم على التسامح والوحدة والرحمة وتشبثت بقشور الخلافات الفقهية والتأويلات الضيقة والتعصب الأعمى. هذا الانكفاء على الذات المذهبية لم يكن مجرد تراجع ديني بل تسبب في تراجع مخيف في الحراك العلمي والفكري وحصر العقول في دوائر السجال العقيم بدلا من آفاق الابتكار كما أدى إلى إقصاء وتهميش المواهب والكفاءات الفذة التي كان يمكن أن تقود قاطرة التنمية والتقدم نحو المستقبل. وبدلا من أن تكون التعددية الفكرية مصدر ثراء وتنوع ومحركا لنهضة حضارية تحولت بفعل الشحن الطائفي الممنهج والأجندات الموجهة إلى أداة للهدم والتراجع مما جعل المجتمعات تدور في حلقة مفرغة من النزاعات الداخلية التي استنزفت الطاقات وبددت الثروات.
هذا التفتت المستمر لم يكن يوما وليد الصدفة أو نتاج لحظة عابرة بل جاء نتيجة مباشرة لتداخل العوامل الداخلية الذاتية بالتدخلات الخارجية الإقليمية والدولية التي وجدت في التناحر المذهبي أرضا خصبة لتمرير مشاريعها التوسعية والمشبوهة فاستثمرت في الخلاف ونفخت في كير الفتنة. لقد تحول الصراع من خلاف فقهي وفكري طبيعي يعكس حيوية الأمة إلى سلاح سياسي فتاك غيب العقول وحول أبناء الوطن الواحد إلى جبهات متناحرة تتصارع على حساب أمنها واستقرارها وسيادتها. والأخطر في هذا المشهد السوداوي هو حالة التبعية والانقياد الأعمى وراء الأصوات المتطرفة والخطابات التحريضية العابرة للحدود التي تقتات على إشعال الفتن حيث بات الخلاف تجارة رابحة لجهات مستفيدة تحقق مكاسبها السياسية النفعية ومطامعها المادية على أنقاض الأوطان المشردة وشعوبها التي يطحنها الفقر والجهل والتشرد.
إن هذا التراجع الملحوظ لم يتوقف عند حدود الهدم الاجتماعي أو السياسي فحسب بل امتد ليعيد المجتمعات
ارسال الخبر الى: