سائق التاكسي حين يتحول رجل منسي إلى قنبلة موقوتة

84 مشاهدة
عندما ندخل إلى غيتي Getty ونسأل الموقع عن صور سائق التاكسي Taxi Driver قاصدين فيلم مارتن سكورسيزي أول ما يظهر لنا هو صور تنتمي إلى الحقيقة نرى مشاهد لسائقي سيارات أجرة في روما يتظاهرون في إضراب رافعين يافطات تقول تبا لأوبر نرى صورا في أثينا التقطت منتصف الشهر الماضي في إضراب أيضا نرى ثالثة في نيويورك حيث صور الفيلم لسائق يحاول أن ينقذ سيارته الصفراء من فخاخ الثلوج المنصوبة في المدينة في فيلم سائق التاكسي الذي صدر قبل خمسين عاما الثامن من فبراير شباط 1976 نحن مع سائق يدعى ترافيس بيكل يخوض إضرابه الخاص وحيدا أدى دوره روبرت دي نيرو يصوره الفيلم لنا بطلا مضادا يحيا روتينا نيويوركيا تافها أراد أن يصادق امرأة لكنه أخفق فقرر الانتقام من العالم من خلال فانتازيا اغتيال السيناتور تشارلز بالانتين المرشح لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية فشلت عملية الاغتيال وهرب ترافيس وتحول كل هذا العنف إلى الهجوم على بيت الدعارة لإنقاذ عاملة الجنس آيرس جودي فوستر لعل المفارقة التي نراها اليوم في نتائج بحث غيتي تمثل تجسيدا للفجوة والقرب في آن بين ترافيس بيكل والواقع بينما يصارع سائقو الأجرة الحقيقيون مضربين من أجل رزقهم ويقاتلون الطبيعة بثلوجها وحرها كان ترافيس يصارع الوجود نفسه وبعد مرور نصف قرن على خروج هذا العمل السينمائي من زقاق نيويورك إلى شاشات العالم نكتشف أن الفيلم ما زال فتيا وأن الواقع قد أمسى يشبه ترافيس بيكل أكثر من أي وقت مضى نيويورك اليوم رغم ناطحات سحابها ومحاولات تنظيفها عبثا لا تزال تحمل في نوافذها تلك الرائحة التي أراد ترافيس أن تغسلها الأمطار رائحة الاغتراب والتباين الطبقي الفج والشعور بأن المدينة وحش يبتلع ساكنيه نيويورك في عام 2026 ليست بعيدة عن تلك التي تنتمي إلى السبعينيات وصورها سكورسيزي فإذا كان ترافيس قد مشى في شوارع قذرة فإن إنسان المدينة اليوم يمشي في شوارع ممتلئة بالنفايات النفسية المدينة الآن تعيش حالة من الجحيم الداخلي الذي تجاوز كونه مكانا جغرافيا ليصبح مزاجا كليا تلك الشوارع المبللة التي تلمع تحت أضواء النيون في الفيلم لم تكن مجرد اختيار جمالي لمدير التصوير مايكل تشابمان بل كانت تعبيرا عن الفيضان الذي يغرق فيه البطل إنها تجسيد لفكرة أن المدينة انعكاس للمرض الداخلي في واقعنا الحالي تحولت المدن الكبرى إلى مرايا ضخمة تعكس قلقنا فالضجيج المستمر هو الصرخة التي يكتمها إنسان معاصر مثل ترافيس إذ يرى في الزحام فراغا وفي الأضواء عتمة لتصبح المدينة فضاء يراقب سكانه ببرود هذا الجحيم يقودنا إلى الوحدة والعزلة الاجتماعية التي بلغت ذروتها في عصرنا الرقمي ترافيس بيكل كان يصف نفسه بأنه رجل الإله الوحيد Gods Lonely Man واليوم نجد الملايين يشاركونه هذا اللقب بصمت خلف شاشاتهم العزلة في سائق التاكسي نتجت عن استحالة التواصل مع البشر ترافيس أراد أن يكون طبيعيا فحاول أن يصادق امرأة أن يندمج في المنظومة لكنه فشل لأن المنظومة نفسها مشوهة في عالمنا الحالي نرى هذا الفشل يتجسد في ظواهر اجتماعية تمثل امتدادا لتلك التي في الفيلم إذ يتحول هذا الرجل المنسي إلى قنبلة موقوتة العزلة أصبحت خيارا ذهنيا فيعيش المرء في بناية تضم كثيرا من الشقق لكنه لا يعرف اسم جاره تماما كما كان ترافيس يعبر الشوارع المزدحمة في قلب صحراء إسمنتية تكمن الخطورة في أن هذه العزلة والبحث عن معنى في عالم غريب قد ينفجران في شكل عنف سياسي أو انتقامي هنا يبرز التشابه بين فانتازيا ترافيس واغتيال السيناتور في الفيلم وبين واقعنا المعاصر حين ننظر إلى الرجل المتهم بمحاولة اغتيال ترامب ريان روث حكم عليه بالسجن مدى الحياة نجد ملامح ترافيس بيكل واضحة ذلك الشخص الذي يعيش في هامش الأحداث ويشعر بأن لديه رسالة عظيمة لتطهير العالم من الشر كذلك الأمر في حالة الشاب لويجي مانجيوني 27 عاما الذي قتل الرئيس التنفيذي لشركة تأمين صحي برايان تومسون هنا نرى تجسيدا للبطل المضاد مانجيوني لم ينظر إليه في دوائر واسعة من الإنترنت بوصفه قاتلا بل كان مخلصا انتقم من نظام يمتص دماء الفقراء ويستغلهم هذا ما حدث مع ترافيس في نهاية الفيلم فبعد مجزرته في بيت الدعارة لم يسجن بل احتفت به الصحف بطلا أنقذ طفلة بدأ واقعنا اليوم يتبنى معايير ترافيس بيكل العنف وسيلة أخيرة للتطهير والقاتل قديسا عصريا في مجتمع فقد بوصلته الأخلاقية ضجيج المدن المستمر يمثل الصرخة التي يكتمها الإنسان المعاصر ما يجعل سائق التاكسي مؤثرا حتى الآن هو أسلوب السرد من داخل الذهن استخدام المونولوغ الداخلي جعلنا سجناء في رأس ترافيس نحن لا نرى نيويورك كما هي بل نراها كما يراها قذرة ومنحلة هذا الأسلوب أمسى دليلا في السينما من أميركان سايكو ماري هارون مرورا بـسيفين ديفيد فينشر وصولا إلى جوكر تود فيليبس في واقعنا الحالي أصبحنا نمارس هذا النوع من السرد عبر وسائل التواصل الاجتماعي نكتب يومياتنا ونعلق على العالم ونبني مونولوغا يعزز انحيازاتنا لنعيش في عصر الذاتية المطلقة فالحقيقة هي ما نراه من خلف شاشات هواتفنا معادل مقود السيارة في حالة ترافيس حول سكورسيزي المشاهد إلى شريك في الجريمة إذ أجبره على رؤية العالم بعيني هذا الشخص المضطرب اليوم يمارس الواقع الرقمي الأمر نفسه فيحبسنا في غرف صدى تجعلنا نرى أنفسنا الأبطال الوحيدين في فيلم تراجيدي طويل

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح