زياد الرحباني لأن الظل ليس ملكا لأحد
السخرية تعني أن الواقعة وقعت، وهي إذًا واقعية، وأن السخرية منها دليل على وجود تلك الواقعة وأهليتها للتأثير في الناس، بما تتضمنه من قدرة على الظلم الذي ينتج بدوره المرارة. والسخرية تختلف عن الهزء والاستهزاء، فهي نقد وانتقاد لواقعة لا تُلمَس رغم تأثيرها الواضح، بسبب حماية الناس لها مدفوعين بموجبات التقاليد من جهة، والخوف من سلطة ما من جهة أخرى. السخرية التي نفهمها من زياد الرحباني ليست مهينة للأشخاص، لأنهم يملكون حصانة لكرامتهم الإنسانية وفقاً للشرعة العالمية لحقوق الإنسان، التي لا تتماشى مع سلوك بشري يمارس الطائفية، أو يعادي الحب، أو يحوله إلى استثمار بين العشاق. هذا السلوك يتبادل في محيطه سلطوية متبادلة قائمة على قوى الأمر الواقع الفيزيائية.
من هنا، يظهر زياد الرحباني احتجاجه على الواقع المعيش، كاشفاً أن كلمات الأغاني يجب ألّا تتوقف عند مسائل الوجد والجوى وامتداح الحبيب، بل أمامها واقع برمته تتجلى فيه قضايا التظلم في كل واقعة فيها قوي وضعيف. ومن هنا أيضاً يؤسس لجرأة في تناول الوقائع السامة لأداءات التجمعات البشرية التي تسبق المجتمع. فعندما يتناول الطائفية في أغنية يا زمان الطائفية لا يشير إلى المواطنة حقوقياً وسياسياً، بل يذهب مباشرة إلى النفعية؛ فالطائفية الضارة لا يمكن للفرد، إذا أراد أن يكون عضواً في مجتمع، أن ينتفع منها بمقاييس هذا العصر، بل يجب الالتفات إلى المصالح الموحدة للجماعة البشرية، وربما - إذا أمعنا في التحليل - أن تفضي إلى تأسيس مجتمع. يتوجه الرحباني إلى هذا الفرد آملاً تقويض الطائفية، عبر أمثال تصاغ بكلمات قريبة من الشتائم ولكنها لا تسيء، مثل عندك حرية أجلّك وشو هالجرصة العالمية. لا يوارب في شتم الطائفية، لكنه ينقل هذا الشتم إلى مستوى العار، وهو العار الذي يشكل المرارة. فعلى الرغم من كوميدية الأغنية كلها، لا تضاهي المرارة التي تتركها سوى كمية التظلم الوحشي الناتج عنها.
في أغنية عايشة وحدها بلاك، يرد الرحباني بصوت جوزيف صقر: عايشة وحدا بلاك، وبلا حبك يا ولد، يصور فيها مرارة الحب من طرف واحد،
ارسال الخبر الى: