زمن الوسط المتطرف
لا يملك معسكر الوسط الفرنسي، في رأي وزير الخارجية جان نويل بارو، مرشحاً واضحاً لانتخابات 2027 الرئاسية. صحيحٌ أن كلاماً كهذا لا يخلو من حساب انتخابي، إذ يفتح الوزير لنفسه درباً بين الأسماء المطروحة لخلافة إيمانويل ماكرون، غير أن مقولته تعبّر، في الوقت نفسه، عن مأزق حقيقي. فبعد تسع سنوات من حكم البلاد، لم يستطع التيّار الذي بناه الرئيس الفرنسي أن يتحول إلى كيان سياسي مستقل عنه وعن شخصه. ويكفي النظر إلى استطلاعات الرأي للوقوف على ذلك. فالوحيد من بين شخصيات الحكومات الماكرونية المتعاقبة الذي تمنحه الاستطلاعات موقعاً وازناً هو رئيس الوزراء الأسبق إدوار فيليب. لكن فيليب لم يقدم نفسه يوماً بوصفه رجلاً من الوسط، بل لطالما ذكّر بانتمائه إلى اليمين.
ولا يعود فراغ الوسط هذا إلى اللحظة الراهنة وما تفرضه من ضرورة البحث عن خليفة لماكرون، بل إلى الطريقة التي بُني بها مشروعه السياسي منذ البداية. فقد وصل إلى الإليزيه بعدما جمع حوله شخصيات وناخبين من الحزب الاشتراكي ومن الجمهوريين اللذين تعاقبا على حكم البلاد طوال عقود، وجعلَ تجاوُز الانقسام بين اليمين واليسار هويةً لمشروعه. هكذا أضعف صعوده الحزبين، لكنه لم يجمع القادمين منهما في تيار ذي هوية مستقلة. والحال أن الشخصيات الآتية من اليمين لم تصبح وسطية بمجرد مشاركتها في حكوماته، وهو ما يقدم رئيس الوزراء الحالي سيبستيان لوكورنو، الآتي من الجمهوريين والذي يعتبر نفسه محسوباً على اليمين، مثالاً واضحاً عليه. في المقابل، تراجع حضور الشخصيات الآتية من اليسار، بالتوازي مع انتقال مركز ثقل حكومات ماكرون المتعاقبة نحو اليمين، لا سيما في ملفات الاقتصاد والأمن والهجرة. وبهذا، لم يكن الوسط نقطة توازن بين الطرفين التقليديين، بل اسماً لتحالف رئاسي استمد وحدته من وجود ماكرون في مركزه، وبدأ فراغه يظهر مع اقتراب رحيله عن السلطة.
وعوّضت الماكرونية هذا الفراغ بتقديم موقعها في الوسط بوصفه المكان الوحيد المعقول ضمن المشهد الفرنسي، لا مشروعاً من بين مشاريع سياسية متنافسة يمكن قبولها أو رفضها. من هنا يكتسب تعبير المؤرخ بيار سيرنا، الوسط
ارسال الخبر الى: