زمن الخيول البيضاء و فلسطين 36 أخلاقيات السابق واللاحق
65 مشاهدة
تدعو رواية إبراهيم نصر الله زمن الخيول البيضاء 2007 وفيلم فلسطين 36 2025 للمخرجة آن ماري جاسر إلى تأمل العلاقة بين الرواية والسينما وهما وسيطان متعاقبان غالبا أحدهما سابق والآخر لاحق التعاقب يفتح مجالا لنسج مشترك يقوم على توتر خلاق وضروري لدى إعادة كل من الوسيطين صياغة مادته التاريخية والتخييلية بلغته الخاصة الأول بالكلمات والثاني بالصور هذا النسج لا يتم في فراغ ثمة شرط بنيوي يحفظ ترتيب المرجعيات إذ إن السابق معروف واللاحق يعرف نفسه من خلاله حتى وهو يتجاوزه إن استطاع إلى ذلك سبيلا ماذا يحدث حين تلغى هذه المسافة ولا يعلن النص اللاحق نسبه لا نتحدث عن تأثيرات عامة أو تلاق في الموضوعات ضمن مشاع ثقافي مفتوح سنطرح في عصف ذهني هذه السنة العظيمة واللئيمة 1936 وعلى كل واحد فينا أن يرمي مفتاحا ستتدافع لدينا المفاتيح الآتية الهجرة اليهودية والانتداب البريطاني والإضراب العام والثورة ولجنة بيل والزعامات الفلسطينية والمدينة والقرية ومواقف الملوك العرب إلخ بيد أن المسألة ليست هذا التاريخ بما هو ماء سبيل للمارة وأرض مشاع للعباد والماشية إنما تطابق البنية الدرامية بين عملين مسجلين بشهادتي ميلاد طريقة توزيع الشخصيات داخل الجماعة ووظائفها ونوعية الحلول المختارة لتمثيل المستعمر البريطاني والاستيطان والمقاومة هذا كله كان يتطابق بين عمل سينمائي حديث ورواية صدرت قبل نحو عشرين عاما وهي الأشهر بين روايات إبراهيم نصر الله وصرف في كتابتها 22 عاما وطبعت أكثر من ثلاثين طبعة بخلاف المقرصنة وترجمت إلى سبع لغات وفازت العام الماضي بجائزة نيوستاد العالمية للآداب التي توصف بأنها نوبل الأميركية نظرا إلى أهميتها والمشروع الذي أشار بيان الجائزة إلى أنه مكرس للهوية والمنفى والمقاومة ووصل الكسل العضلي حد جلب شخصيتين في الرواية وهما خالد الثائر والطفل كريم باسميهما باعتبار الشعب الفلسطيني بالفطرة شعب خالد وكريم ومتخصص بإنجاب الخالدين والكرماء إذا ذهبنا إلى الشخصيات الأخرى فسيظهر بالوظيفة الروائية نفسها شاب متعلم وحيد في القرية يعمل مع زعامات محلية فاسدة ويحب في قريته شابة قوية الشكيمة يظهر الخوري العربي الوحيد في القرية في الموقع نفسه داخل البنية الاجتماعية يظهر رئيس تحرير الصحيفة الفاسد في القدس الذي يلمع سيرة الفاسدين الفلسطينيين ويتعاون مع الإنكليز يظهر الضابط الإنكليزي القاسي العصابي المسكون بقرية الهادية في الرواية والتنكيل بها وتقاطع مساراته مع بطل الرواية وظهوره في كل مكان له علاقة بأهل الهادية سواء فيها أو في المدينة هذا كله حرفيا انتقل من قرية الهادية إلى قرية صار اسمها البسمة وهي جميعها ليست معطيات تفرضها سنة 1936 هذه اختيارات سردية مع عبارة كتبتها وشطبتها غير مرة حول اسم البسمة كي لا أشوش على فكرتي الأساسية لكنني مضطر إلى تسجيل تحفظي على الاسم المفكر فيه إنه بالضبط اسم جرى التفكير فيه من فوق ولم ينبع من تحت وهو مناسب لكومباوند أو عيادة أسنان وليس لقرية فلاحين فلسطينيين قبل تسعين سنة كنا في الشخصيات فإذا رحنا إلى الأحداث فستتكرر البنية أيضا مستوطنة ببرجها الخشبي تبنى مقابل القرية يقترب منها أحد أهالي القرية فيقتل سهرة ماجنة تجمع عربا وإنكليزا ويهودا ثم خذ الأوضح بلا تردد ستة أحداث متتالية تبدأ في الرواية من الصفحة 278 تنتقل بالترتيب نفسه حرفيا إلى الفيلم في مشهد طويل يمتد ثماني دقائق عملية مسلحة من أهل القرية الجيش البريطاني يتهم الأهالي الذين بدورهم ينكرون تجميعهم في ساحة القرية ظهور الجاسوس مغطى رأسه بكيس خيش قتل رجل أمام الناس لترهيبهم أحد الرجال يدلهم تحت الضغط على مكان السلاح ويموت حرق حقول القرية وحرق القرية ليلا استشهاد بطل الرواية بعد محاصرته وانتقام الشاب الذي يقتل ضابطا إنكليزيا التاريخ المشترك لا يفرض تسلسلا سرديا محددا سنة 1936 حدثت مرة واحدة لكن طرق روايتها لا نهائية ولو كان الأمر مجرد تاريخ مشترك أو أرشيف بريطاني فلماذا تتطابق الشخصيات والأحداث بالترتيب نفسه لئن تطابقت الأسماء والبنى وتسلسل الأحداث لا يعود الأمر قابلا للاختزال في كلمة مشترك هذا النص ليس هجوما شخصيا لكنه أيضا ليس استفسارا عابرا إنه توثيق لما أرى أنه يستدعي جوابا والجواب حق للقارئ والناقد قبل أن يكون حقا للكاتب الأمر الذي وقع فعلا حين وجهت رسالة إلى المخرجة آن ماري جاسر عبر البريد الإلكتروني وواتساب وألحقتها بعد خمسة أيام بتذكير عارضا فيها معايناتي السابقة وطالبا توضيحا حول طبيعة العلاقة بين الفيلم والرواية لم يصلني رد حتى الآن غياب الرد لا يبطل السؤال بل ربما يجعله أكثر إلحاحا نحن نتحدث عن رواية نادى كثيرون بتحويلها إلى مسلسل أو فيلم وكانت البداية مع المخرج الراحل حاتم علي وأخيرا مع المخرج باسل الخطيب واشتريت حقوق تحويلها إلى مسلسل ولكن ذلك لم يحدث حتى الآن وخطر ببالي سؤال فرعي في سياق المرجعيات ماذا لو قرر مخرج بعد سنوات إنتاج عمل عن 1936 من دون معرفة هذا النقاش وعاد إلى الرواية بوصفها مصدرا في سياق تهيمن فيه الصورة سيتهم هذا العمل بالتشابه مع فيلم سابق لا مع الرواية التي سبقته عندها تنقلب المرجعية وتتحول القراءة البصرية إلى أصل ويدفع النص الأدبي إلى الهامش الحقيقة أن تنظير الناقد الفرنسي جيرار جينيت 1930 2018 في النصين السابق واللاحق يسعفنا في هذا النقاش إذ كان للرجل مقولة شهيرة مفادها أن النص اللاحق ليس تعليقا على السابق وإنما قائم بذاته قادر على إنتاج أثره مستقلا وقد يصل إلى حد حجب أصله أو إحلال نفسه محله في الوعي صيغ هذا التمييز في سياق أدبي خالص ثم طور لاحقا في دراسات الاقتباس السينمائي أهميته لا تكمن في نقل المفهوم حرفيا وإنما في التنبيه إلى نتيجة بنيوية حين يكون النص اللاحق وسيطا أكثر حظا وأوسع انتشارا يمكن أن يعيد ترتيب المرجعيات فيقرأ الأصل في ضوئه لا العكس نحن نعرف أن تاريخ الأدب قدم العديد من الأمثلة على نصوص لاحقة لم تكن تعليقا على نصوص سابقة وإنما أعمال قائمة بذاتها انتهت بحكم انتشارها إلى حجب أصولها من رسالة الغفران إلى الكوميديا الإلهية ومن حي بن يقظان إلى روبنسون كروزو يعيد النص الجديد تأسيس المرجع ويكون على المعري وابن طفيل النضال صباح مساء من أجل إثبات وجودهما ولو على الهامش هذه كتابات على كتابات فما بالك بطغيان الصورة حيث لا يمكن مقارنة حجم الأثر بين فيلم العراب ورواية ماريو بوزو وفيلم الكيت كات ورواية إبراهيم أصلان مالك الحزين هذان مثالان نوردهما لنقول إن المسألة لا تتعلق بكاتب يتراجع أثره أمام وهج الشاشة إنما أبعد من ذلك عن حالة يمحى فيها الاسم أصلا الفارق حاسم وتتحول الرواية من مصدر معروف إلى خلفية غير معلنة ما أسعى إليه هو القول إن ذكر الرواية لم يكن لينتقص من الفيلم وإنما يضعه في سياقه الصحيح ويطرح سؤالا مهنيا واحدا هل ترى السينما الفلسطينية في الرواية شريكا إبداعيا حيا أم موردا صامتا هنا تظهر فلسطين لا فلسطين المجازية الثقيلة ولا الخطابية التي تستدعى لتبرير كل شيء فلسطين قضية أخلاقية بسيطة فكرة عن عدالة واضحة وظلم مكشوف هذه البساطة نفسها تستعمل أحيانا غطاء يقال ضمنيا إن ضياع الأرض يهون ضياع الحقوق الصغيرة يقال إن المعركة أكبر من أسماء الأشخاص من تفاصيل السرد من الملكية الفردية للنص أو للشخصية كأن الخسارة الكبرى تبتلع الخسائر الصغرى الاعتراف ليس لفتة مهذبة بين نصين بل لحظة تأسيس يقول فيها الفعل اسمه خصوصا حين ينتقل من وسيط إلى وسيط هذا يمنحه قوة رمزية وبغياب الاعتراف يتبدل موقع الإبداع فلا يعود فعل خلق يصير غنيمة إن كان بقصد أما النيات الحسنة وغير الحسنة فليست مادة للنقد النص وحده الذي نقرؤه ونحكم عليه