سام برس رحيل حارس ذاكرة الصحافة اليمنية عبدالحليم سيف

41 مشاهدة

بقلم / عادل عبدالله حويس
كانت أصابعه تعرف طريقها إلى الحروف قبل أن تصل إليها العيون. يجلس في زاويته الهادئة بمؤسسة الثورة محاطا بأكوام الصحف القديمة والمجلدات المتراصة التي تشي بأن رجلا هنا يحرس ذاكرة بأكملها. يمرر يديه على الأوراق الباهتة وكأنه يلمس وجها عزيزا ثم يبدأ رحلته اليومية بين السطور يصحح يمحو يضيف ويستخرج جوهر الخبر من قلب الفوضى بصرامة مؤرخ وصبر راهب.
ذلك هو عبدالحليم سيف الذي ودع عالمنا ظهر الجمعة حاملا معه أسرار خمسة عقود من الحبر والورق والهمس بأذن التاريخ.
بدأت القصة في عدن حيث فتحت المدارس الحديثة له نافذة على عالم أوسع من حارات الحرفة وصخب الميناء. ثم حملته البعثة إلى موسكو حيث تعلم في مدارس الصحافة السوفيتية ليس فقط فن الكتابة بل وأخلاق المهنة وحديد الانضباط. وعندما عاد إلى صنعاء في منتصف السبعينيات لم يكن يحمل شهادة فحسب بل يحمل مشروع حياة: أن يكون للصحافة اليمنية ذاكرة وللكلمة وزن وللحقيقة سجل لا يزور.
في أروقة مؤسسة الثورة تحول إلى خازن للذاكرة ومهندس للوعي. كان يدخل في عصر كل يوم ولا يغادر إلا بعد أن يطمئن إلى أن آخر خبر قد نال حظه من التدقيق وأن آخر صفحة جاهزة للنشر قد خضعت لمعاييره الصارمة. كان يعلم أن الكلمة التي ستطبع غدا قد تقرأ بعد سنوات فكتب وكأنه يخاطب المستقبل.
لم يكن مدير أخبار فحسب ولا رئيس تحرير فقط. كان الأب المهني لعشرات الصحفيين الذين تعلموا على يديه أن المصدر الموثوق أغلى من السبق وأن التدقيق أهم من الإثارة وأن رسالة الصحافة أسمى من أي منصب. كان يفتح مكتبه وبيته لاحقا لكل طالب معرفة يمنح من وقته وخبرته بلا حساب كأنه يعيد سداد دين للمهنة التي وهبها عمره.
بيته في صنعاء تحول إلى مكتبة عامرة ومتحف صحفي نادر. جدرانه تشهد على رحلة جمع مضنية لكل ما كتب عن اليمن ورفوفه تحمل إصدارات نادرة ووثائق تاريخية كادت أن تلقى في مزابل النسيان.
هناك، بين دفتي المجلدات عاش

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع سام برس لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح