رحلة محمد فركاني بيت بارد وأسرة بذاكرة تتلاشى
بهو بيت أنيق بنوافذ عالية متناظرة، مع حضور خفيف لعناصر جانبية (علاّقة ملابس، طاولة، كرسي) ثم باب في المركز. تناظر هندسي يوحي بالثبات، لكنه يتقاطع مع توزيع بارد للممثلين على الخشبة، ما يعمّق عزلة كل واحد منهم. في هذا التقسيم البصري الذي أراده المخرج المغربي محمد فركاني، تتعمق حالة انفصال الشخصيات نفسياً في مسرحيته رحلة المقتبسة من نص الكاتب الأميركي يوجين أونيل رحلة النهار الطويلة خلال الليل، التي عُرضت منتصف الشهر الجاري على خشبة مسرح محمد الخامس في الرباط.
تنفتح الستارة على الأم بملابسها الفكتورية السوداء، أو روب نومها الخفيف الطويل، لتمسك في كل مرة بخيوط وعي ينفلت في وساوس نفسية وثقل ماض مؤلم، بينما يفرغ الزوج زجاجات الويسكي المصطفة أمامه، للهروب من واقع يتداعى، وفي تلك المساحة بين الزوجين، يتحرك الابنان جيئة وذهاباً بقلق وانفعال وتوتر، وبكثير من اجترار المرارة والإحباط، فتبدو المشاهد وكأنها مشهد واحد يتكرر طوال العمل.
يستعرض فركاني التفكك الأسري نفسه بوصفه حالة لا تكاد تنتهي، وهي تتسلل عبر تلك التفاصيل الصغيرة: كلمات قاسية، عنف جسدي أحياناً، ونظرات اتهام. كل واحد منهم يعيد تأويل تلك اللحظات بما يخدم رؤيته، فينخرطون في لعبة لوم متبادل، تتوزع فيها المسؤوليات دون أن يتحملها أحد. تعبِّر الأم، الغارقة في إدمان المورفين، عن هشاشة داخلية لن تستطيع أن تتجاوزها، بل إنها تزداد شحوباً يوماً بعد يوم، وتتضاءل لتصبح كالطفلة التي يهرع الجميع ليحميها من نفسها. فيما يقف الأب، الفنان المسرحي الذي ذاع صيته يوماً، وسط هذه الحلقة صورة لسلطة فقدت معناها، عاجزة، متمسكة مع ذلك بأعذارها وأوهام مجدها الغابر. اتصافه بالبخل جزء كبير من أسباب هذا الانهيار.
ما يثير في العلاقة بين الزوجين هو كونها مفقودة الحلقات، مبنية على ذاكرة مثقوبة، وحرارة عاطفية بين المد والجزر تبعاً لتقلبات مزاج الزوجة؛ بالمقابل يبدو الزوج رغم كل تجليات الخسارة فيه، هادئاً ومتماسكاً، مذعناً لهذيانها المعهود. لا يبدو أنه يشعر بتأنيب الضمير بالرغم من ظهوره مركزاً لهذا التشظي.
عبر توالي المشاهد، ظل الشابان يعبران
ارسال الخبر الى: