ذكرى إميلي ديكنسون ألعاب طفلة في شعرية الاحتمال
لطالما قرأنا عن عزلة الشاعرة الأميركية إميلي ديكنسون (1830-1886)؛ تلك الفتاة الخجولة التي ترتدي الأبيض، ولا تكاد تغادر غرفتها الهادئة في أميرست، لكننا اليوم، وفي الذكرى الأربعين بعد المئة لرحيلها، نقف بفضل الثورة الأرشيفية الحديثة وفحص مخطوطاتها الأصلية، أمام نسخة مغايرة لوجه طفلة عبقرية؛ تمارس الكتابة بوصفها لعبة شيقة، وتستند إلى عقل هندسي بارع، زاوج بين دقة الكيمياء ومنطق إقليدس، ليعيد صياغة الفضاء النصي داخل مختبر طفولي مرح.
شعرية الأُحجية
في غرفتها التي حافظت على أسرارها، لم تكن إميلي سوى طفلة ماكرة تعيد ترتيب ألعابها؛ تقصّ حواف قصاصات الورق، وأغلفة الرسائل، وعلب الشوكولاتة بعناية فائقة. وما إن تقف أمام الرقعة الضيقة، حتى تتحول الورقة بين يديها إلى أرض للعجائب: يُنخل في غَرَابِيلَ رَصَاصِيَّة/ يبعثر مسحوقه فَوْقَ الغَابَة/ يحشو تجاعيد الطَّرِيقِ/ بقطن نَاصِعٍ كالمرمر/ ينحت وجهاً مستوياً/ من السهل والجبل/ جبهته المتصلة بلا شرخٍ/ تبدأ من الشرق/ لتعود إلى الشرق.
هل خمّن القارئ أن القصيدة تتحدث عن ندف الثلج؟ ربّما. فهي مساحة تفاعلية تُزرع فيها (الغرابيل والطحين والقطن) بوصفها إحداثيات مخبأة تقود الآخر داخل اللغز، بينما تفضح تلك الوجوه المستوية قسوة الصقيع الكامنة خلف هشاشته البيضاء. تلك كانت طبيعتها: قُل الحقيقة كاملة، لكن قُلْها مواربة، لذلك قرصنت اللغة واختارت لعبة الغُمّيْضَة؛ فحذفت الموجودات من عناوين قصائدها ومتونها، واصفة القطار، والبرق، والصقيع، والموت، عبر الأثر، وما عليك سوى تتبع الآثار، لتؤسس بذلك لـشعرية الأُحجية.
استخدمت الطيّات والأظرف وشكل الصفحة جزءاً من القصيدة
لكن ما يجعل هذا الخطاب الطفولي متعدد الوسائط حقاً، أن هذه الثيمة امتدت إلى جسد الورقة. كتبت إميلي سطرها عن تجاعيد الطريق فوق ثنية الورقة نفسها، ليتسلّل الحبر إلى شروخ الطيّة كما يتسلّل الثلج إلى شقوق الأرض! وفي قصيدتها المكتوبة على جناح ظرف ممزّق والتي تبدأ بـمُحاكَمٌ دائماً ومُدانٌ منك، تنحدر الكلمات بشكل مائل وحاد، متلاحمة مع ضيق الحواف، حتى تداهمك تجربة الحصار والزنزانة التي يفيض بها المضمون القضائي.
توثق الأبحاث الأرشيفية الحديثة لسوزان هاو ومارتا ويرنر في كتابهما اللاشيء
ارسال الخبر الى: