ديبك سيرة سؤال وخبز تنور

24 مشاهدة

دِيْبَكْ ليست مجرّد اسمٍ في ذاكرةٍ بعيدة، ولا مجرّد قرية كردية نائية (كمثيلاتها من آلاف القرى السورية المُهمّشة) يمكن الإشارة إليها على الخريطة ثم نسيانها. كانت، منذ البدء، تجربةً إنسانية وجودية مُكتملة بذاتها وبهُويّتها الكردية، مكاناً لا يمنح أبناءه إجاباتٍ جاهزة عن مفهوم الانتماء والوطن والاعتراف والمشاركة، بل يضعهم وجهاً لوجه أمام السؤال، نعم فقط السؤال. هناك، حيث تُولد الحياة بلا امتيازات إلهية أو دينية أو وطنية، يتعلّم الإنسان باكراً أنّ الوجود ليس معطًى مضموناً، بل عبءٌ جميل وثقيل، يُحمَل بصمت، ويُختبر كلّ يوم.

في ديبك، الطبيعة ليست صديقةً ولا خصماً، بل حضوراً صلباً يُذكّرك بحدودك الوجودية. الصيف ليس فصلاً بذاته مُستقلاً، بل شريكاً وجودياً، وأزلياً للخريف والشتاء والربيع، هو حالة جسدية ونفسية، حرارةٌ تتسلّل إلى الداخل، تجعل الجسد واعياً بنفسه إلى حدّ الإنهاك. الأرض ليست كريمة ولا بخيلة، هي عادلة بطريقتها القاسية، لا تعطي إلا لمن ينحني طويلاً أمام سنابل القمح، ولمن يشرب أُجاج الماء مع شتلات القطن، ولا تكافئ إلا الصبر والنسيان والقناعة. هناك فهمنا أنّ خبز التنور ليس نتيجةً نهائية أو جاهزة كمفهوم الخلق في المعتقدات، بل أثر تعبٍ وعناء مُتراكم، وأنّ البقاء فعل مقاومة يوميّة تشبه الصلاة الصامتة.

غير أنّ قسوة الطبيعة والمكان لم تكن وحدها ما يصوغ الوعي، ويلوي عنق الطاعة والرضى، بل كان القدر الهُويّاتي والانتماء القومي شريكاً لها. الظروف السياسية لم تكن جوهرية في القرية بقدر ما كانت تحيط بها من الخارج، من المدن القريبة، وفي الدوائر والإدارات التي نلجأ لها، مضطرين لإثبات وجودنا كمنتمين فائضين في قاموس ديموغرافيا الجمهورية العربية السورية. هناك، خارج دِيْبَكْ، كان الاحتكاك بالدولة موسمياً وثقيلاً كفصل الصيف، وكانت اللغة والاسم والأوراق الرسمية تتحوّل إلى امتحان وجودي. داخل القرية كنا نعيش حياتنا البسيطة، حياة الجماعة والقرابة والقبيلة بعاداتها ونمط امتدادها التاريخي.

أما ثقل السلطة فكان ينتظرنا عند العبور إلى المدينة. ثمّة ثقلٌ آخر، أقلّ وضوحاً وأكثر عمقاً، يتمثّل في العيش خارج الاعتراف. أن تكبر في قريةٍ مهمّشة يعني أن

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح