تجاوز الصراع بين إيران وإسرائيل حدود التصعيد التقليدي، وانتقل من حروب الظل والضربات عبر الوكلاء إلى مواجهة علنية ومباشرة. فما تشهده المنطقة حاليا لم يعد قابلاً للتأطير ضمن مفهوم “الردع المتبادل” الذي ظلّ سائداً لعقود، بل دخل مرحلة تتّسم بقدر عالٍ من الوضوح والخطورة، حيث تحوّلت الرسائل إلى صواريخ، وانهارت قواعد الاشتباك تدريجياً لصالح مشهد إقليمي متحرّك يتّجه نحو معادلات جديدة.
وفي هذا السياق، شكّلت الضربة الإيرانية الأخيرة التي طالت قلب تل أبيب تحوّلاً لافتاً، إذ قلبت مشهد الصراع من جديد. فالعاصمة “تل أبيب” التي طالما اعتُبرت آمنة نسبياً وبعيدة عن ميدان المواجهة، تحوّلت فجأة إلى هدف مباشر لهجمات دقيقة شملت صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، تمكّنت من اختراق منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية والوصول إلى عمق المدينة، الأمر الذي عجزت القبة الحديدية عن احتوائه بالكامل.
وقد بدا حجم الدمار الناتج عن هذه الضربات لافتاً على مختلف المستويات، إذ تحوّلت شوارع تل أبيب المركزية إلى مساحات محروقة، وسُجّلت انهيارات في واجهات عدد من الأبنية الزجاجية، وسقوط مبانٍ كاملة، بينما امتدّت الحرائق لمسافات داخل المدينة، ما أدى إلى تعطّل الحركة التجارية، وإخلاء عدد من الأحياء، فضلًا عن إصابات وخسائر قُدّرت بمئات ملايين الدولارات. وهو ما دفع وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى التوصيف، وللمرة الأولى، بأن ما جرى مثّل كسراً لصورة العاصمة المحصّنة إذ وصلت خطوط الجبهة إلى عمقها.
غير أنّ ما كان أكثر أهمية من حجم الدمار بحدّ ذاته، هو ما كشفته هذه الضربات من معطيات جديدة. فبينما سارع الإعلام الإسرائيلي إلى وصف الهجوم بأنه استهداف عشوائي لمبانٍ مدنية، جاء تقرير موسّع نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية ليفنّد هذه الرواية، مستنداً إلى معلومات استخبارية وصور أقمار صناعية. إذ أشار التحقيق إلى أنّ إسرائيل كانت قد شيّدت في عام 2021 مركز قيادة عسكرية متقدّم تحت الأرض في وسط تل أبيب، يُعرف باسم “حصن صهيون”، وقد تم بناؤه عمداً تحت مجمّعات مدنية تضم مبان سكنية ومكاتب وشركات، الأمر الذي يجعل استهدافه بالضرورة يبدو كقصف للبنية المدنية.