حرب ومسلسلات
تمرّ الصواريخ بسرعة خارقة فوق البيوت، وتدوّي صفارات الإنذار في كلّ مكان. يهرع الصغار من بيوتهم إلى الشوارع، وقد صرفوا النظر عن اللعب بالمفرقعات كما العادة في رمضان، احتفالاً طفولياً بسيطاً بإنجاز صيامهم؛ ذلك أن مفرقعات السماء أشدّ دويّاً هذا الموسم. يتنقل الآباء بين المحطات الإخبارية، ولا يجدون سوى مزيد من النيران والتفجيرات والتحليلات غير المجدية. ينقسم الناس كما يحدث دائماً، ويختلفون في المواقف؛ منهم من يرى في إيران صديقاً وخلاصاً ومقاومة وصموداً، ينسى بجرّة قلم ماضي نظامها الإجرامي العنيف في المنطقة، ويصدّق أن عدوَّ عدوِّهم صديق بالضرورة. وآخرون من قصار النظر يجدون في أميركا وحليفتها المجرمة (إسرائيل) التي أوغلت في دماء أبناء غزّة وشعب فلسطين حلّاً واستقراراً ووعداً بالرفاه والأمن والأمان. يتشاجرون ويتبادلون في مواقع التواصل الاجتماعي تهم التخوين وأقذع الشتائم. كتبتْ إحداهنّ في منشور لها في فيسبوك (أودى بها إلى السجن): إن كل من لا يقف مع إيران ابن حرام مصفّى!.
وثمة جماعة على أيّ جانبيك تميل، وهم الأغلبية العاقلة من المدركين أن أحلى الأمرَّين شديد المرارة، وأن الثمن الباهظ يدفعه، دائماً، البسطاء من المدنيين قتلاً وتشريداً وطرداً من بيوتهم في الليالي الباردة، من دون ذنب اقترفوه باستثناء مصادفة الجغرافيا اللعينة. صرخت سيّدة من الضاحية الجنوبية أمام الكاميرات متسائلةً بغيظ وقهر وسط دموعها: أنا شو ذنبي؟ أنا شو عملت حتى اتشرّد أنا وولادي بهالليالي؟. غير أن لا أحد يعيرها بالاً؛ فلتدبّر أمرها، ولتجد خلاصها الفردي. لا الدول الكبرى، ولا حتى الصغرى، معنية بعذابها، وتعمل (الدول) لمصالحها فقط. لذلك، فإن الحرب مستمرّة، وقودها الشعوب المقهورة المصادَرة إرادتها، التي ليس لها سوى مواصلة الفرجة على مسلسلات رمضان.
والحياةُ أيضاً، رغم كلّ مآسيها، مستمرّةٌ؛ كل يوم طبخة جديدة، ولا ننسى القطايف بالجوز والجبنة، والمقاهي مكتظّة بلاعبي الورق وعشّاق الأرجيلة، والمحطّات الفضائية ويوتيوب مكتظّة ببرامج الطهي والمقالب والفوازير. كلُّ شيء على ما يرام والحياة محتملة. وعلى وقع الصواريخ نتابع مسلسل مولانا المسروق والمليء بالمغالطات، وقد حقّق أعلى نسب مشاهدة، وحصل نجمه الكبير
ارسال الخبر الى: