جون لوك ومعضلة الدبابير

23 مشاهدة

في صيف عام 2009 كان عُرس أخي، وكان ما يزال بإمكاني وقتها السفر إلى سورية قبل أن أُحرم من زيارتها حتى اليوم.

كان الصيف إذن، وسحر الصيف في الشرق يتفوّق حتى على قيظه. مع بداية المساء تخرج العائلات السوريّة من مخابئها التي لجأت إليها في النهار لتبدأ حياتها في الليل. كالكثير من السوريين، كانت عائلتي تخرج أوّل المساء إلى أرض الدار الريفية المصبوبة من البيتون لنبدأ بشطفها برشّ الماء على الأرض المُلتهبة لتبريدها، ثمّ نمضي الأمسية عليها. وشطف أرض الديار يترك نقعاً مُتفرّقة من الماء هنا وهناك، تهرع إليها الدبابير العطشى التي أنهكتها شمس الشرق القائظة.

في تلك الأيّام، كان موسم العنب وكانت عريشة بيتنا في الجنوب السوريّ تنوء بثقل العناقيد الشهيّة التي تلمع تحت أشعة الشمس كثريّات قصر مسحور. لم يكن ما يجذب الدبابير إلينا إذن نقع الماء التي يخلّفها شطف الأرض فقط، وإنّما العنب أيضاً، الذي بسببه تحوّلت عريشتنا إلى محمية طبيعية للدبابير والزراقط.

لم نكن وحدنا إذن في المكان، بل في مواجهة عشرات الدبابير المقاتلة العطشى والجائعة. كلّ مساء تقريباً كان علينا أن نخوض معارك شرسة مع تلك الحشرات السّامة لإبعادها عن أرض الدار وعن عناقيد العنب التي حاولت منعنا من الاقتراب منها كلّما أردنا قطف عنقود.

إنّ عملك واجتهادك فيما كان مشاعاً هو ما يعطيك الحقّ فيه

كنا نخوض معركة مع الدبابير بوصفها حرباً دفاعية ضدّ الغزاة الطامعين بأرضنا ورزقنا. في لاوعيي كانت تلك الحرب عادلة، بل واجبة، فالأرض لنا، والعنب لنا، بينما الدبابير هم المتطفلون الغزاة. كنت أراها إذن معركة على الحق الذي يعطينا كلّ الشرعية لمواجهة الغزاة. في إحدى الأمسيات وأمام استبسال الدبابير واستماتتها في القتال، التفتُّ إلى أبي وقلت له مازحاً كما لو كنت قائداً عسكرياً على الجبهة: إنهم يحتلون عريشتنا، فلنحرّر أرضنا وعنبنا!، لكن جواب أبي العفوي جعلني أتجمّد أرضاً، لأنّه أثار في عقلي إشكاليةً فلسفيةً مُربكة. لقد كان جواب أبي (وهو ما جعلني ألقي بسلاحي؛ مضرب التنس، وأنسحب من معركة الدبابير

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح