جغرافيا بطعم الألم كيف تحول الضفة الغربية إلى مستوطنة كبرى

34 مشاهدة

لم يعد توصيف الضفة اليوم مجرد رصد لمتغيرات ديموغرافية أو جغرافية، بل صار لزامًا علينا قراءتها كعملية إعادة تعريف وجودي للمكان والزمان، حيث نشهد تحولًا بنيويًا في الجغرافيا؛ فلم يعد الاستيطان مجرد “نشاط عمراني” على تلة بعيدة أو مرتفعة، بل منظومة استعمارية تهدف إلى محو الفضاء الفلسطيني من الوعي والخريطة على حد سواء.

فالضفة الغربية التي كانت في الأذهان كيانًا جيوسياسيًا قابلًا للتبلور، باتت اليوم مختبرًا حيًا لاختبار استراتيجيات الإحلال، ومن هنا تبرز المفارقة المؤلمة؛ فقد قامت فلسفة السلطة الفلسطينية خلال العقد الأول من “عصر أوسلو”، ورهانها السياسي، على افتراض “طوباوي” مفاده أن كل ما يُبنى من مستوطنات وبنى تحتية في الضفة هو عائد يومًا ما ليصبح جزءًا من بنية الدولة الفلسطينية العتيدة، وكأن الاستيطان كان مجرد استثمارات مؤقتة، وستؤول ملكيتها إلى السيادة الفلسطينية في نهاية المطاف.

هذا الوهم المرتبط أساسًا بـ”حتمية الدولة” هو الذي منح الاستيطان “شرعية” التوسع في بناء بنية تحتية للدولة الفلسطينية المستقبلية المتوهمة، فترك يكبر ويتوسع على أعين الساسة الفلسطينيين، وبينما كانت الحقيقة على الأرض بخلاف ذلك كله، كان يلتهم هذا المستقبل ذاته، ليحول الوجود الفلسطيني إلى حالة من الحصار داخل “كانتونات” خرسانية معزولة، لا تملك لأمرها سيادة ولا لأطرافها امتدادًا.

إن الفلسفة الكامنة وراء هذه الهجمة الاستيطانية كانت تقوم أساسًا على استغلال هذه الغفلة والاستيلاء على “الفراغ”، فكانت تمارس عملية قضم يومي للأرض تحت ذرائع أمنية وقانونية واهية، لكن في جوهرها كانت تتجاوز ذلك إلى تفتيت وحدة كل من الجغرافيا والديموغرافيا.

فحين يقطع طريق التفافي، أو يلتف جدار عازل حول الأرض الفلسطينية، فلا نواجه مجرد عائق فيزيائي، بل محاولة محو لذاكرة المكان؛ فيصبح التنقل بين مدينتين فلسطينيتين تجربة محفوفة بالمخاطر، خاضعة لتقلبات المزاج العسكري، ما يشعر الإنسان الفلسطيني بأنه “غريب” حتى في وطنه. فهذه الجغرافيا ليست مجرد حجارة وأسلاك وجدران، بل أداة لترسيخ مفهوم “السيد والعبد”، فيتمتع المستوطن بحرية الحركة المطلقة، بينما يعيش صاحب الأرض في حالة توجس دائم خشية فقدان الأرض والوطن.

من الناحية

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع صحيفة الثورة صنعاء لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح