جامع عظام الموتى

45 مشاهدة

لا أزال أذكر الصَّباح الذي تلا مساء وفاة جدَّتي الحبيبة، وحين ووريتِ الثرى مع وقت غروب الشمس، وعاد الرجال من المقبرة، وأحدهم يحمل معولًا علقت به بعض الرّمال الطّازجة التي خرجت من عمق الأرض، ليُوضع جثمان جدَّتي مكانها.

في ذلك الصباح، شرعت نسوة من العائلة في تنظيف غرفة جدتي وغسل ثيابها وأغطيتها، وقد اجتمعن جميعهن في باحة البيت الواسعة المطلّة على الحديقة، فنادتني إحداهنَّ، وطلبت مني أن أدخل إلى غرفة جدّتي، وأسحب غطاء أخيرًا من فوق فراشها؛ لتلحقه بما غسلت من متاع.

وهنا تسمّرت قدماي، وشعرت برهبة لا توصف، ودقّ قلبي حتى تخيلت أن الجميع قد يلتفت نحو صوت دقاته. وكنت حينها في العاشرة من عمري، ولديّ، خصيصًا، خوف طفولي لا يمكن وصفه من الموتى والقبور. وقد تعمّق هذا الخوف بداخلي من حكايات جدَّتي نفسها عن القبور التي تُفتح ليلًا، ومن حكايات الأطفال الذكور الملاعين من أبناء الحي، والذين يقسمون أمامي وأمام باقي البنات الصغيرات الرقيقات أن القبور تُفتح كل ليلة، وأن الموتى يعودون ليتفقدوا أشياءهم، ويعاقبون الأطفال الذين يعبثون بأشيائهم التي تركوها خلفهم. ولسوء حظي، كانت مقبرة المدينة على بُعد مسافة قريبة من بيتنا الذي يقع على أطراف المدينة.

هكذا كان لدي خوف مبهم من كل ما يخص الموتى. وقد زجرتني المرأة، وشاركتها عمتي؛ لكي أسرع بإحضار الغطاء من فوق سرير جدَّتي. وهكذا كنت أستجمع شجاعتي لكي أدلف من باب الغرفة، وسحبت الغطاء بعينين مغمضتين، ووليت فرارًا، فيما علقت رائحة جدَّتي بأنفي مدة طويلة، ولاحقتني طوال اليوم، حتى كدت أصدق ما روّجه الأطفال الملاعين، وصرت أنتظر عقابًا قريبًا من جدَّتي لأنني دخلت غرفتها.

كبرت يوم ضحكت على هذه الأفكار والتخيلات، ويوم نمت في فراش أمي بعد رحيلها في الليلة الأولى، وتنسَّمت رائحتها. وقد كان ذلك قاسيًا على قلبي حين رأيت كل ما يخصها كأنما كان ينتظرها، ولم ينقص منه شيء إلا هي. وقد حدث ذلك بوجع أكبر بعد رحيل أبي، وقد زاد تعلقي به بعد رحيل أمي، ثم رحل

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح