ثمة صباح
هناك صباحات لا تأتي خفيفةً كما نتمنّى، ولا مشرقةً كما تصوّرها بطاقات التهنئة، بل تتسلّل إلى الغرفة على استحياء، كأنّها تخشى أن توقظ فينا ما حاولنا دفنه في العتمة. نصحو وقد بقي شيءٌ من الليل عالقاً في أطراف الروح، ونسأل أنفسنا كيف يمكن للمرء أن ينهض فيما الطريق أمامه مثقل بالحجارة، وفيما خُطاه لا تكاد تتذكّر شكل السير. ومع ذلك، يظلّ في الصباح وعد صغير لا يكاد يُرى، لكنّه كافٍ لأنْ يحرّك الدم في المعنى، وأن يذكّر القلب بأن التعب مرحلة، وأن الانكسار لا يملك سلطةً دائمة.
أفكّر أحياناً في الحجارة التي تعترض طرقنا، وأكتشف أنها ليست دائماً ما يتخيّله الآخرون. قد تكون كلمةً قاسيةً استقرّت في الذاكرة، أو خيبة لم تجد من يواسيها، أو شعوراً بالاقتلاع من مكان كان ينبغي أن يكون وطناً. والحجر، حين يستقرّ في الطريق، لا يختبر القدم وحدها، بل يختبر القرار. هل نلتفّ حوله ونمضي، أم نجلس إلى جواره ونقيم فيه إقامةً طويلةً كأنّنا اخترناه قدراً؟ هنا يتجلّى الفرق بين مَن يرى الطريق عدواً، ومن يراه امتحاناً للتماسك.
الروح حين تتكئ على تعبها لا تفعل ذلك ضعفاً، بل حكمةً خفية. إنها تعرف حدودها، وتعرف أن القوة ليست صلابةً مستمرّة، بل قدرة على الاعتراف بالإنهاك من دون أن تتحوّل إليه. ثمّة شجاعة عميقة في أن يربّت المرء على قلبه كلّ صباح، كأنّما يقول له: أعرف ما حملتَه بالأمس، وأعرف ما ينتظرك اليوم، ومع ذلك سنمضي معاً. هذا الربت فعل حميم، يكاد يكون سرّاً بين المرء ونفسه، وهو ما يمنح الصباح معناه الحقيقي.
تعلّمت من الأيام أن النهوض لا يحتاج دائماً إلى خطط كبرى ولا إلى خطابات تحريضية. أحياناً، يكفي أن نضع قدماً أمام أخرى، وأن نسمح للهواء بأن يملأ صدورنا، وأن نتذكّر أن فينا قدرةً قديمةً على التجدّد. الصباح لا يغيّر العالم دفعةً واحدة، لكنّه يقدّم فرصةً صغيرةً لإعادة ترتيب العلاقة مع هذا العالم. يمنحنا مساحةً لنختار كيف سننظر إلى ما حدث، وكيف سنحمل ما لم
ارسال الخبر الى: