تغريبة علوان

يمنات
محمد المخلافي
في إحدى القرى شمال مدينة تعز اليمنية، كانت تعيش أسرة (قائد)، الفلاح البسيط. في منتصف الخمسين من عمره، يحمل جسداً مثقلاً بضغط الدم والسكري، ومع ذلك كان يخرج إلى أرضه كل صباح، كأن العمل هو الشيء الوحيد الذي يبقيه متماسكاً.
إلى جانبه كانت زوجته (سكينة)، تصغره بعشر سنوات. امرأة هادئة تدير شؤون البيت بصمت. لم تكن حياتهما سهلة، لكنها كانت تمضي باستقرار بسيط، قائم على زراعة الأرض وتربية بعض المواشي.
كان لهما ثلاث بنات وولد: ياقوتة، البنت الكبرى، التي تزوجت من ابن عمها فؤاد، المغترب خارج البلاد. ثم علوان، الابن الوحيد، الذي كان الأب يرى فيه امتداد اسمه وتعبه. تليه فاطمة وزعفران، في سنواتهما الأولى، تملآن البيت بحركة خفيفة لا تلبث أن تهدأ.
لم يكن علوان يشبه أقرانه في القرية. كان طويل القامة، ممتلئ البنية، وشعره الأسود الكثيف يلفت الانتباه، لكن ما ميزه أكثر كان هدوؤه وطريقته في التفكير. منذ أيام المدرسة عرف بتفوقه، وحين أنهى الثانوية، اختار الالتحاق بكلية الآداب في جامعة تعز، قسم اللغة الإنجليزية، وكان يحمل في داخله حلماً بأن يصبح أستاذاً جامعياً في الأدب الإنجليزي.
في صباح شتوي بارد، في نهاية عام 1999، ودع علوان أسرته واتجه إلى طرف القرية، حيث كان ابن عمه وائل ينتظره بسيارته الأجرة ليقلّه إلى المدينة.
حين وصل إلى ساحة الكلية، بدا المكان أوسع وأكثر ازدحاماً مما تخيل. انضم إلى طابور التسجيل محاولاً أن يبدو عادياً، بينما كان داخله مشغولاً بكل ما هو جديد حوله. وبين هذا الازدحام، لفت انتباهه حضور لم يكن متوقعاً.
في الطابور المجاور، كانت تقف فتاة بهدوء. بشرتها صافية، ويدها الموشاة بالحناء تضيف إلى ملامحها شيئاً من الرقة، أما عيناها فكان فيهما بريق لا يمر دون أن يلاحظ. لم يحدق طويلاً، فقط اكتفى بنظرة سريعة، وهمس في داخله دون أن يشعر: “ليتني أدرس معها”.
بعد أسبوع، عاد علوان إلى الكلية بقلق خفيف وحماس، ينتظر نتائج القبول. وقف أمام القائمة المعلقة، ووقع بصره على الفتاة
ارسال الخبر الى: