تحولات ساهمت في شرعنة النقاش الإسرائيلي بشأن ضم الضفة الغربية

205 مشاهدة
تزايدت في الأسابيع الأخيرة النقاشات في إسرائيل حول مسألة ضم الضفة الغربية وحجم الأراضي الفلسطينية التي يخطط لضمها وطبيعة هذا الضم ومعانيه السياسية والقانونية وقد عقد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عدة اجتماعات في الأيام الماضية لمناقشة فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية المحتلة وتتمحور الأسئلة المطروحة داخل إسرائيل حول ما إذا كان ينبغي فرض السيادة على الكتل الاستيطانية الكبرى فقط أو على جميع المستوطنات أو على المناطق المصنفة وفق اتفاق أوسلو مناطق ج أو حتى على المناطق المفتوحة وغور الأردن كذلك يشهد النقاش جدلا بشأن توقيت الخطوة هناك من يرى أن فرض السيادة يجب أن يأتي ردا مباشرا على أي اعتراف بدولة فلسطينية فيما يدعو آخرون إلى تنفيذها بشكل استباقي قبل حدوث مثل هذا الاعتراف في الوقت الذي ينشغل فيه الرأي العام الدولي والإسرائيلي وكذلك الفلسطيني والعربي بسؤال الضم من حيث المساحة والتوقيت والأدوات والمعاني يجدر التوضيح أن مسألة ضم الأراضي الفلسطينية ليست جديدة على المشهد الإسرائيلي إذ طرح حزب العمل هذا الموضوع منذ بدايات الاحتلال موضوع الضم لم يعد محل انقسام جوهري في الساحة السياسية الإسرائيلية بل بات أقرب إلى قضية توافق ضمني بين التيارات المختلفة إلا أن الاختلاف هو على نسبة الأراضي ومعاني الضم ولا يقل أهمية أنه في موازاة هذا النقاش تنفذ إسرائيل على أرض الواقع خطوات وإجراءات متسارعة وتدخل تغييرات جوهرية في سياساتها تجاه الضفة الغربية يمكن أن ترسخ ضما فعليا حتى من دون الحاجة إلى إعلان رسمي عنه تعمل الحكومة الحالية على خلق واقع مختلف في الأراضي الفلسطينية المحتلة إسرائيل والرغبة في ضم الضفة الغربية رغبة إسرائيل في ضم مناطق من الضفة الغربية أو حتى الضفة كلها ليست أمرا جديدا ولا حكرا على تيارات اليمين الإسرائيلي وحدها بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة طرح حزب العمل الحاكم في الستينيات سياسته الاستيطانية على ركائز متعددة أمنية سياسية ديمغرافية وأيديولوجية ولم يستبعد الحزب خيار الضم بل إن بعض الخطط الحكومية في تلك الفترة دعت إليه حتى وإن لم يتم تبنيها رسميا ومن أبرز تلك الخطط خطة ييغال آلون وخطة يسرائيل غاليلي وقد دعا آلون بصفته وزير القضاء 1967 ـ 1970 في مشروعه إلى ضم مناطق محددة من الأراضي المحتلة إلى إسرائيل واعتبارها جزءا لا يتجزأ من سيادتها وتشمل تلك المناطق شريطا بعرض يراوح بين 10 و15 كيلومترا على امتداد غور الأردن وشريطا آخر بعرض بضعة كيلومترات شمال طريق المواصلات بين القدس المحتلة والبحر الميت بما في ذلك منطقة اللطرون بالإضافة إلى جبل الخليل مع سكانه أو على الأقل صحراء يهودا الممتدة من مشارف الخليل الشرقية حتى البحر الميت والنقب أما مشروع الوزير يسرائيل غاليلي 1971 ـ 1974 فتضمن مقترحات حول ضرورة توسيع شراء الأراضي والأملاك في المناطق المحتلة من قبل مديرية أراضي إسرائيل والعمل على تطوير سياسة الاستيطان وذلك من خلال إقامة مستوطنات جديدة وتعزيز المستوطنات القائمة وخصوصا في شمال البحر الميت وفي غور الأردن ومنطقة الخليل كل ذلك يساهم في تكريس أمر واقع يصعب انسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية المحتلة كافة لاحقا تحولت هذه الوثيقة إلى مشروع متكامل صاغته اللجنة الوزارية لشؤون الاستيطان برئاسة غاليلي في المقابل تنطلق الاستراتيجية الاستيطانية لتكتل الليكود بعد عام 1977 من مبدأ أن حق الشعب اليهودي في أرض إسرائيل غير قابل للطعن لذا فإن الحزب يعارض أي اقتراح يترتب عنه تقسيم أرض إسرائيل المحررة لذلك طالب الليكود بفرض السيادة الإسرائيلية على المناطق المحررة مع التزامه تكثيف الاستيطان في الضفة الغربية لأن استيطان تلك الأراضي تأكيد لهذا الحق الذي يقوم على أسس دينية وليس على أسس أمنية أو اقتصادية فقط ويبدو أن هذه القناعات الإسرائيلية المبنية على اعتبارات أمنية واستراتيجية وفقا للذهنية الإسرائيلية أو على دوافع عقائدية دينية مسيانية لم تتغير منذ احتلال عام 1967 ولم تؤد اتفاقيات أوسلو ولا محاولات التوصل إلى اتفاق بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية إلى إلغاء نيات إسرائيل في الاحتفاظ بمساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ بداية عام 2025 صادق مجلس التخطيط الأعلى على بناء 24 338 وحدة سكنية تعمل الحكومة الحالية منذ تشكيلها في عام 2022 على خلق واقع مختلف في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 يعكس قناعاتها الأيديولوجية ورغبتها في ضم الأراضي الفلسطينية كافة وخلص تقرير مشترك لعدد من الجمعيات الإسرائيلية المناهضة للاحتلال نشر في أغسطس آب 2024 بعنوان الانقلاب الصامت تحويل نظام الحكم في الضفة الغربية إلى أن إسرائيل حولت طبيعة الحكم في الضفة الغربية باستخدام تدابير بيروقراطية بالخفاء ونقلت النظام من صيغة احتلال عسكري عليه التزامات تجاه السكان الواقعين تحت الاحتلال بموجب القانون الدولي إلى نظام تدير فيه المؤسسات الحكومية المدنية الإسرائيلية معظم جوانب الحياة الفلسطينية في الضفة الغربية وفي عهد الوزير بتسلئيل سموتريتش الذي منح صلاحيات إدارة الضفة الغربية والمستوطنات باعتباره وزيرا ثانيا في وزارة الأمن منح أتباع الأيديولوجية الاستيطانية سيطرة أكبر على الضفة الغربية وهذا يعني عمليا حصولهم على السلطة اللازمة لتنفيذ أجندتهم الأيديولوجية إلغاء مصادقة وزير الأمن ووفقا لمؤسسة السلام الآن المناهضة للاحتلال أحدثت الحكومة الإسرائيلية الحالية منذ عام 2023 تغييرات جوهرية في إجراءات منح تراخيص البناء ومخططات التوسع في المستوطنات في يونيو حزيران 2023 ألغت الحكومة شرط الحصول على مصادقة وزير الأمن في كل مرحلة من مراحل إقرار خطط البناء في المستوطنات وفي السنوات الأخيرة كان وزير الأمن قد حدد أن خطط البناء تطرح للمصادقة فقط أربع مرات سنويا يقر خلال كل اجتماع لمجلس التخطيط الأعلى آلاف الوحدات السكنية دفعة واحدة أما في الأشهر الأخيرة فقد بات مجلس التخطيط الأعلى ينعقد بمعدل مرة كل أسبوعين تقريبا ويصادق في كل جلسة على بضع مئات من الوحدات السكنية ومن خلال هذا النهج تسعى الحكومة الإسرائيلية لتطبيع عملية التخطيط الاستيطاني وتقليل مستوى الانتباه والانتقادات على الصعيدين الداخلي والدولي ومنذ بداية عام 2025 صادق مجلس التخطيط الأعلى على بناء 24 338 وحدة سكنية وهو رقم يعد قياسيا وغير مسبوق في تاريخ النشاط الاستيطاني وربما عد القرار الأخطر الموافقة على مخططات البناء في منطقة E1 عندما قرر مجلس التخطيط الأعلى في 20 أغسطس الماضي الدفع بخطط لبناء 3 753 وحدة سكنية من بينها 3 401 وحدة في منطقة E1 التابعة لمستوطنة معاليه أدوميم إضافة إلى 342 وحدة سكنية في المستوطنة الجديدة عسا هايل بمعنى عمل الرب التي أقرتها الحكومة مستوطنة رسمية في فبراير شباط 2023 وتعتبر الخطط لإقامة مستوطنة بهذا الحجم في منطقة E1 بمثابة ضربة قاضية لأي إمكانية لحل الدولتين إذ إنها تؤدي إلى تقطيع الضفة الغربية إلى منطقتين منفصلتين وتمنع تطوير المناطق التي تربط بين رام الله والقدس الشرقية وبيت لحم محاولات إسرائيل للبناء في منطقة E1 ليست جديدة إذ جرت محاولات لدفع هذه الخطة منذ تسعينيات القرن الماضي غير أن المعارضة داخل إسرائيل وفي الساحة الدولية حالت دون المضي قدما في تنفيذها وفي عام 2012 أصدر نتنياهو تعليماته بدفع الخطة للمرة الأولى وبعد سنوات من التجميد صادق هو نفسه على إيداع الخطة قبيل الانتخابات في فبراير 2020 ويبدو أن الحكومة الحالية تعتبر أن الظرف الإسرائيلي الداخلي إلى جانب الضعف الفلسطيني والبيئة الدولية الراهنة خصوصا دعم الإدارة الأميركية الحالية قد يتيح لها هذه المرة تنفيذ المخططات على أرض الواقع مواقف إسرائيل وخطواتها وتوقيتها ليست مفاجئة ليس فقط بفعل التحولات التي أعقبت السابع من أكتوبر تشرين الأول 2023 بل أيضا في ضوء التغيرات العميقة التي طرأت على مواقف الأحزاب الإسرائيلية وتعاملها مع مسألة الاحتلال والاستيطان منذ عام 2013 وشهدت هذه المواقف تحولات جذرية أعادت صياغة المفاهيم الإسرائيلية تجاه قضية الاحتلال وإذا كان النقاش الإسرائيلي حتى اندلاع الانتفاضة الثانية 2000 ـ 2005 ثم في سياق خطة الانفصال أحادي الجانب التي قادها رئيس الوزراء الأسبق آرييل شارون عام 2005 يتمحور حول الأسلوب الأمثل للانفصال عن الفلسطينيين وحجم المستوطنات التي يمكن الإبقاء عليها بعد أي اتفاق فقد تبدلت هذه الأسئلة جذريا وأصبح السؤال المركزي اليوم هو أي نسبة من الأراضي المحتلة ستضمها إسرائيل فيما تحول السلطة الفلسطينية إلى وضع أقرب إلى حكم محلي محدود الصلاحيات لا يتجاوز إدارة الشؤون اليومية للسكان في المناطق ذات الكثافة السكانية الفلسطينية تحول مواقف الأحزاب الإسرائيلية يمكن تتبع هذا التحول في مواقف الأحزاب الإسرائيلية تجاه الاحتلال والاستيطان بشكل جلي في انتخابات الكنيست لعام 2013 التي جرت بعد نحو عام من اندلاع الاحتجاجات الاجتماعية ـ الاقتصادية في مدن المركز الإسرائيلي التي تعد قلب الاقتصاد الإسرائيلي في تلك المرحلة تراجع اهتمام المجتمع الإسرائيلي عموما والأحزاب السياسية خصوصا بقضية الاحتلال والاستيطان لتتحول إلى قضية ثانوية في الحملات الانتخابية والخطاب السياسي وقلصت أحزاب المعارضة تركيزها على الملفات السياسية ووجهت رسائل بأن أولويتها ستكون القضايا الاقتصادية والاجتماعية شيلي يحيموفيتش زعيمة حزب العمل آنذاك شددت على هذه الجوانب وذهبت إلى حد مغازلة المستوطنين أما يائير لابيد رئيس حزب يوجد مستقبل فقد اختار أن يفتتح حملته الانتخابية من مستوطنة أرئيل في المقابل دعت تسيبي ليفني رئيسة حزب القائمة إلى العودة للمفاوضات مع السلطة الفلسطينية ولكن على أساس الثوابت الإسرائيلية التي تشمل الحفاظ على الكتل الاستيطانية الكبرى وبذلك أعلنت مختلف أحزاب المعارضة آنذاك دعمها لضم أجزاء من الأراضي الفلسطينية التي أقيمت عليها الكتل الاستيطانية إضافة إلى الأراضي التي ضمت فعليا بفعل بناء جدار الفصل العنصري الذي تحول إلى واقع ثابت ولا تختلف هذه المواقف كثيرا عن مواقف أحزاب اليمين التي تدعو إلى ضم الأراضي الفلسطينية كافة أو على الأقل مناطق ج إلى جانب المستوطنات أي إن مبدأ الضم بات يشكل حالة من الإجماع السياسي الإسرائيلي بينما يقتصر الخلاف على النسبة والتوقيت والأدوات كل ذلك مهد الطريق أمام توسع حضور اليمين المتطرف وتعزيز مكانته في المشهد السياسي الإسرائيلي هنا أصبح سؤال الضم أكثر شرعية في هذه المرحلة ولم يعد يواجه معارضة جدية داخل المجتمع الإسرائيلي أو بين الأحزاب السياسية فلم تسجل اعتراضات حقيقية من قبل المعارضة البرلمانية على قرارات الحكومة المتعلقة بالبناء في منطقة E1 ولا على النقاشات الدائرة حول مسألة الضم عموما

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح