سألني موظف الجوازات السوري في معبر نصيب على الحدود مع الأردن بشيء من الاستغراب إن كانت هذه زيارتي الأولى إلى سورية فأجبته تقريبا أوضحت للموظف أن آخر زيارة لي جرت في العام 1971 ما يجعلنيnbsp أزور البلد لأول مرة منذ نصف قرن ونيف لم يعبأ الموظف الشاب بما قلت وأفسحت مكاني للرجل الواقف خلفي وخرجت من طابور النساء فقد كان تصميم المعبر كريما مع الأردنيين إذ خصصت نافذة لهم لكنها خلت صبيحة الجمعة 4 أكتوبر تشرين الأول من أي موظف فطلب منا الوقوف في طابور القادمون نساء ولبينا الطلب غير هيابين ومن باب التفاؤل عقبتnbsp لمسافرين بجواري كانوا يتضاحكون على الموقف بأن في الأمر نية على تشجيع الاختلاط علما أننا صادفنا نافذتين متجاورتينnbsp لـالقادمون نساء إحداهما وقفت المسافرات أمامها nbsp والثانية وقفناnbsp أمامها نحن معشر الرجال nbsp لا نلوي على شيء إذن تملي ضرورات الحياة دعك مؤقتا من الأفكار أن يتبادل الجنسان المواقع هنا وهناك وأن يشغلا الموقع نفسه كما حدث مع المسافرين من عمان إلى دمشق أو يتناوبان عليها مع غض النظر عن الجنس الجندر إذ يستحيل الفصل الإسمنتي بين الجنسين nbsp علاوة على أنه مخالف للفطرة وللاجتماع المديني تبلغ الطريق من نصيب إلى العاصمة دمشق زهاء مائة كيلومتر وهي تشهد على ما عاشه البلد من ضنك عقودا وحيث يمتزج التصحر الطبيعي بالتصحر الذي ارتكبه بشر ضد بيئتهم ومظاهر الحياة ومواردها لا أود إخفاء مفاجأتي فالنقطة الحدودية فسيحة ونظيفة ولامعة والموظفون لطفاء وحتى على شيء من الخجل وسريعو الإنجاز غير أني تعاملت مع المفاجأة بواقعية فقد سمعت أنباء مثل هذه عن الفصل بين الجنسين في المواصلات العامة الحافلات ولا أعلم إن نجح هذا الفصل أم لا أتمنى أن يفشل وهل كان قرارا أم اجتهادا ما لأحد المسؤولين وبمتابعتي الأخبارnbsp السورية لا تبرز مشكلة قائمة بذاتها تتعلق بالفصل بين الجنسين nbsp بينما تتقدم القضايا المعيشية وتوفير التيار الكهربائي والتطلع إلى دولة عادلة لا تظلم أحدا وتنصف الجميع وتعمل على استتباب الأمن بغير عسف وتنجي البلاد من الانزلاق إلى التقسيم وهو ما لاحظته في العاصمة فالمقاهي والمطاعم تزخر بزبائنها من الرجال والنساء جنبا إلى جنب والأهم من ذلك وبما يتعدى اختيار الناس ملابسهم لا تخفى مشاعر الراحة والانشراح علىnbsp محيا النساء من الطبقة العريضةnbsp الوسطى محجبات بمكياج ظاهر أو سافرات وهو دليل من الحياة اليومية على أن النساء لا يستشعرن تمييزا طارئا ضدهن باستثناء ذلك التاريخي المتراكم تبلغ الطريق من نصيب إلى العاصمة دمشق زهاء مائة كيلومتر وهي تشهد على ما عاشه البلد من ضنك عقودا وحيث يمتزج التصحر الطبيعي بالتصحر الذي ارتكبه بشر ضد بيئتهم ومظاهر الحياة ومواردها فالأمكنة تنطق بأن حياة غابرة كانت هناك وأن الناس سبق أن استخدمواnbsp سيارات خاصة باتت الآن هياكل معدنية وأن ثمة أسواقا عامة غير أن أبواب محلاتها قد أغلقت إلا النزر اليسير منها وأن الحفر والنفايات والإطارات المطاطية وبقايا ما يشبه أثاثا والبيوت المتصدعة أو المهجورة أو منشآت تجارية حديثة تركت بعد إنجازها فأخذت يد الإهمال في جعلها ذات هيئة متربة أو حتى بيوتا جديدة فارهة ذات تصميم حسن متروكة وتخبر هذه جميعا أن الحياة قد انقضت في هذه المطارح وإلى إشعار آخر وأن أهلها قدnbsp غادروها وتعزى الأسباب في المقام الأول إلى فترة الحرب الطويلة حرب النظام على شعبه وقدnbsp وقعت على بيئة اجتماعية واقتصادية هشة فزادتها الحرب العمياء ضعفا وركاكة وقد جهدت مع نفسي أن لا أتأثر كثيراnbsp بهذه المشاهد المقبضة فلطالما رأيت شبيها لها وما هو أقسى منها في الصور ومع وصولنا إلى محطة الحافلات في حي القدم جنوب العاصمة بدأت مظاهر الحياة تدب حولنا فسائقو التاكسيات يطبقون على المسافرين الواصلين وكنت أحدهم nbsp وربما بين قلة منهم لم يخططوا أدنى تخطيط لهذه الرحلة واستعنت برفيق رحلة عن المنطقة التي ينصحني بالإقامة فيها فقال عليك بالمرجة فهي وسط المدينة وقريبة من كل شيء ونصحني أن أقصد فندقا ذكر لي اسمه وهكذا كان تلقفني سائق درعاوي أشد سمرة مني وقال إنه سوف يضعني في ساحة المرجة حيث تكثر الفنادق وتتجاور هناك مقابل خمسين ألفnbsp ليرة وقلت لنفسي إن علي ما دمت أحمل أكثر من مليون ليرة تثقل جيبي أن أعتاد على دفع مثل هذا الرقم حين يقتضي الأمر في المرة الواحدة تصرف مائة دولار بمليون ومائة وخمسين ألف ليرة وقد نصحني السائق الشاب بالذهاب بعد الاستقرار في فندق إلى شارع الجزماتي فهناك على رأيه يطيب تذوق الطعام صادفت أول فندق في الساحة كبير من فئته وعلى الشارع وبعد تبادل عبارتين للسلام مع موظف الاستقبال فقد خاطبني شخص آخر من العاملين كان يقف قبالة الموظف بقوله مع كل محبة واحترام لا نؤجر لغير السوريين وهي عبارة كادت تصيبني بدوار فالفنادق تقام لاستقبال الزوار والسياح وليس لأهل البلاد الذين يقيمون بطبيعة الحال في بيوتهم وحاملا صدمتي انتقلت إلى فندق آخر أصغر فأجاب موظف الاستقبال على طلبي بأنهم يؤجرون للسوريين فقط فهم أصحاب الفندق دراويش ولا يؤجرون بالدولار في فندق ثالث كان صاحب الفندق أكثر صراحة إذ يجد صعوبة كما قال بسبب الأسعار المتغيرة للعملة الأجنبية في حسبة الأجرة لغير السوريين بالدولار nbsp وهي تزيد بأكثر من ضعفين على غير السوريين لهذا فإنه يكتفي بالتأجير للسوريين بأسعار معلومة وبالليرة ويبدو أن الفنادق تجد طلبا كبيرا عليها من سوريين عائدين من خارج البلاد أو من القادمين من المناطق الداخلية ونسبة كبيرة منهم من دير الزور والحسكة ودرعا فندق رابع كانت سيدة تشغل فيه مكتب الاستقبال واسع لكن ردهته الشاسعة معتمة وقد سألت الموظفة أسئلة روتينية عن توفر الواي فايnbsp والماء الساخن فأجابت بأنه لا يتوفر حاليا حتى الماء البارد فاكتفيت بتناول شاي عراقي أعده لي موظف عراقي وأخبرت الموظفة أن لا شيء يشجع على الإقامة في الفندق سوى وجود الموظفة بابتسامتها اللطيفة لكنه لا يكفي للأسف حتى حطت بي الرحال في فندق بباب صغير تتبعه عشر درجات ويقع على شارع رئيسي رحب بي الموظف وعرفت في ما بعد أنه صاحب الفندق وأن أربعة غيره يتناوبون على إدارة مكتب الاستقبال فندق يلوح من مصعده ومن درجه العريض الرخامي أنهnbsp كان جيدا ذات يوم غير أنnbsp الدهر أكل عليه وشرب ولكن مع توفر الواي فاي والماء الساخن ومكيف الهواء سارعت لقبول الغرفة ذات السريرين طالبا جمعهما معا من الواضح أن تركيز الدولة ينصب على المسائل الأمنية الكبيرة الحساسة في مطاردة الفلول وفي اليقظة أمام العلاقة غير المستقرة مع قوات سوريا الديمقراطية قسد طاقة بشرية متجددة في الاستراحة الصغيرة للفندق الصغير لاحظت شابين صديقين ملتحيين يواظبان على تصفح الموبايل ويتبادلان الضحك الخجول باستمرار وقلما يتبادلان الحديث مع أحد ترك أحدهما سهوا صديري صفراء مخططة بالأبيض بغير أكمام علىnbsp الكنبة فإذا بها وقد طويت نصف طوية السترة الخاصة بالشرطة وخطر لي في نوبة مداعبة خاطفة مع النفس أن أخلع جاكيتتي وأرتدي السترة الفوسفورية وأخرج بها إلى الشارع المجاور وأتقصى انطباعات الناس الفورية عن شرطي في العقد السابع في اليوم التالي وأمام الفندق رأيت شرطيا منهمكا في تنظيم المرور وبالتدقيق فيه تبين لي أنه صاحبنا الشرطي نفسه كثير التردد على الفندق وقد فك تجهمه حين رآني وحياني بابتسامة لطيفة ثم عاد إلى تجهمه الذي تفرضه طبيعة عمله باستثناء شرطة المرور قلما يظهر رجال شرطة وقد رايت بعضهم في مدخل سوق الحميدية بلحاهم وقاماتهم المنتصبة وقد بدت عليهم الوداعة بخلاف صور انتشرت لهم في الأسابيع الأولى للتغيير إذ تتسم علاقتهم بالناس بالهدوء وبشيء من التباعد وهذا حال الناس أيضا من الجنسين الذين يتدفقون على السوق الأشهر في دمشق ويتعاملون مع الشرطة بحياد وتهذيب والمقصود أنه حلت حالة من التعايش مع الصورة الجديدة للشرطي ولأفراد الأمن العام كما صادفت بعضهم أمامnbsp مقرات الشرطة يجلسون بهدوء مع أشخاص آخرين بلباس مدني من الواضح أن تركيز الدولة ينصب على المسائل الأمنية الكبيرة الحساسة في مطاردة الفلول وفي اليقظة أمام العلاقة غير المستقرة مع قوات سوريا الديمقراطية قسد وفي الاستنفار أمام ما يشبه العصيان في السويداء وباستثناء مطاردة أصحاب البسطات العشوائية والمتابعة الجديدة لأصحاب الدراجات النارية غير المرخصة فإن شوارع وسط العاصمة تنعم بالهدوء والناس يقبلون على أعمالهم أو على المطاعم والمقاهي بغير توترات اجتماعية تذكر وهو ما أكده لي سائق تاكسي أكد لي أن الوضع الأمني في العاصمة مستتب وأنه ممسوك في اللاذقية وحلب وحمص من غير أن يكون في تلك المدن استقرار أمني كامل فثمة كما قال من لا يقبلون بالنظام الجديد وبعضهم يحوزون أسلحة وهو ما يدركه النظام ويعمل بمقتضاه nbsp لما سألت احد موظفي الفندق وهو موظف حكومي متقاعد عن رأيه في الانتخابات التي جرت أخيرا أجابني بأنه لا يعرف مع أنه يبدو على شيء من الفطنة والثقافة وسألته إن كانوا يتابعون الإخبارية السورية فأجاب كيف لنا هذا وساعات سريان التيار الكهربائي معدودة تتجه الأنظار إلى السلطات الجديدة بأن تسرع في خطواتها لكسر شرنقة التنظيم الواحد وإشراك الناس في صناعة القرار وحمل المسؤولية وخلافا لما يلحظه المرء في عواصم عربية مشرقية ومغاربية شاشات التلفزة في الفنادق والمطاعم والمقاهي تظهر صامتة ومطفأة في معظم الأحيان ويستعين التجار بالمولدات الكهربائية لتيسير أعمالهم وليس لتشغيل التلفزيونات وهناك إقبال شديد على الألواح الشمسية وما هو في حكمها من مصادر الطاقة الجديدة ويعرف عن السوريين قدرتهم الفائقة على ابتكار الحلول للمشكلات الحياتية وعلى التعامل مع مفاجآت الآلات بمختلف أنواعها وهو ما يفتح أبوابا جديدة للعمل فكل السيارات القديمة تعمل إلى جانب سيارات جديدة يقول السوريون إن أسعارها انخفضت بشكل ملحوظ وانخفضت معها أسعار البنزين وإن بقي السعر مرتفعا بعض الشيء nbsp عدا ذلك الأسواق عامرة بالسلع وعدا المطاعم وخصوصا الصغيرة منها التي تلقى إقبالا كبيرا تبدو الحركة التجارية ضعيفة فما زال السوري يرزح تحت وطأة الغلاء نتيجة انخفاض الرواتب وعلى رأي شابة مرحة كل شيء موجود في السوق ما عدا المصاري النقود ويحذر كثيرون من فقدان موظفين بشرائح عريضة وظائفهم أو فقدان متقاعدين رواتبهم ما يسبب توترا اجتماعيا شديدا قد ينفجر إن لم ينصف النظام الموظفين الذين باتوا سابقين فهؤلاءnbsp كانوا يعملون في الدولة وليس لدى النظام السابق بالضرورة ولم أجد من جهتي ما أقوله سوى إن على مجلس النواب الجديد طرح هذه المشكلات الملحة والعمل على معالجتها مع السلطات إذ يتعذر إرساء عقد اجتماعي جديد وسلم أهلي راسخ مع حرمان فئات واسعة من الناس من مورد حياتهم الوحيد وتهديدهم بالجوع لا يحوز المترجم فارق الحميد وقد تخطى السبعين راتبا تقاعديا إذ حال النظام السابق بينه وبين العمل في وزارة التربية لرفضه الالتحاقnbsp بحزب البعث ما اضطره للعمل مترجما بغير الارتباط بمؤسسة ويقول إن الغلاء يمنع الناس من الانتقال وتبديد أموالهم الشحيحة على المواصلات العامة وبالتالي قلما يتلاقون وأنه شخصيا يقصد المقهى العريق الذي التقينا به هافانا فيصادف بعض الأصدقاء nbsp شخصيا لم أصادف أحدا من الأدباء في الزيارة الارتجالية هذه أحب أن أسميها زيارةnbsp تجريبية لا في هذا المقهى ولا في مقهى الروضة غير البعيد عنه في منطقة الصالحية وقد شئت أن تكون زيارة حرة بغير تخطيط لإشباع الفضول وللمشي والتطواف في الأسواق والسلام على دمشق وأهلها وسمائها وشوارعها ما زالت المدينة تحتفظ بجمالها وخصوصيتها وينفض أهلها عن كاهلهم تعب سنوات طويلة من المعاناة والقلق ومن الخسائر المادية والعاطفية وقد سمعت أحدهم في الفندق يقول إنه خسر مئات ملايين الليرات فيما قال آخر إننا الان بألف خير فقد انقضى ذلك العهد الطويل الذي تجرعنا فيه روح الخل تتجه الأنظار إلى السلطات الجديدة بأن تسرع في خطواتها لكسر شرنقة التنظيم الواحد وإشراك الناس في صناعة القرار وحمل المسؤولية وقبل أيام كان الرئيس أحمد الشرع يتحدث لتلفزيون أميركي عن أنه يتطلع إلى تشكيل حكومة جديدة تمثل سائر المكونات وتعكس واقع التعددية واستخدم الشرع تعبير نظام ديمقراطي ويؤمل أن تعكس تعيينات الرئيس ثلث النواب 70 نائبا هذا التوجه فيرى السوريون شخصيات وطنية واجتماعية مشهودا لها وتاريخها يشهد لها تحتل مقاعدها في المجلس المؤقت وتضم ما لا يقل عن 20 امرأة لتعويض النقص الكبير الحاصل في عدد البرلمانيات والانتقال من ذلك لتشكيل حكومة سياسية شاملة ذات كفاءات تضم قوميين وليبراليين ويساريين ووطنيين ديمقراطيين وإسلاميين مستقلين