في وسط قطاع غزة وتحديدا عند المدخل الغربي لمخيم النصيرات تبرز تلة تبة النويري باعتبارها إحدى أبرز الشهود على مأساة النزوح القسري الجماعي الذي شهده القطاع خلال العدوان الإسرائيلي إذ تحولت التلة إلى ما يشبه المحطة الأخيرة للأمل والانكسار في آن واحد حيث اضطر عشرات آلاف النازحين من مدينة غزة وشمالي القطاع إلى التوقف عندها مرغمين ومع اشتداد القصف وتوسع رقعة الدمار تدفقت جموع النازحين عبر شارع الرشيد الساحلي سيرا على الأقدام أو في شاحنات وهم يحملون ما تبقى من أمتعتهم وذاكرتهم وكان لا بد لهم من عبور هذه النقطة التي صارت خط الفصل القسري بين موطنهم والنزوح إلى المجهول جنوبا عند جوانب التبة نصبت الخيام على عجل والتصق الأهالي بعضهم ببعض تحت أشعة الشمس اللاهبة بينما لا تتوقف الشاحنات المحملة بالأثاث والمستلزمات الأساسية من المرور انتقالا نحو المناطق التي يدعي الاحتلال الإسرائيلي أنها آمنة لم تعد تبة النويري مجرد أرض مرتفعة بل صارت ذاكرة للمعاناة توثق بالصمت والوجع وجوه الأطفال المتعبة ومساعي الأمهات للاعتناء بأطفالهن في العراء وانتظار الشيوخ والرجال لحظة العبور نحو الأمان المنشود بعيدا عن جحيم الحرب والقصف والأحزمة النارية والروبوتات المتفجرة والمسيرات التي تطلق النار على مدار الوقت يقول الفلسطيني أيوب النجار وهو من سكان حي الشجاعية إن تبة النويري كانت شاهدة على النزوح الأول في بداية العدوان الإسرائيلي وكذلك على لحظات الفرح مع عودة النازحين إلى المحافظات الشمالية إثر اتفاق وقف إطلاق النار في يناير كانون الثاني الماضي فيما تشهد الآن النزوح الجديد من جراء التهديدات الإسرائيلية المتواصلة بضرورة إخلاء مدينة غزة ويبين النجار لـالعربي الجديد أن المرور الإجباري للنازحين على تبة النويري يعود لكونها النقطة الفاصلة بين المحافظات الشمالية والوسطى والجنوبية إذ تقع في منتصف الطريق الساحلي الذي يسمح للنازحين بالمرور عبره في أثناء رحلة النزوح القسري بدوره يؤكد الفلسطيني أنس حميد أن تبة النويري كانت شاهدة على الكثير من المواقف منذ بداية الحرب حيث النزوح الأول وترقب العودة وكذلك لحظات الخوف والرعب التي لازمت النازحين بفعل تمركز قوات الاحتلال بالقرب منها قبيل إعادة الانتشار إثر اتفاق وقف إطلاق النار ويضيف هذه التلة المتواضعة تمثل اليوم لجميع أهالي غزة نقطة فاصلة بين بيوتهم ومناطقهم السكنية وبين حياة النزوح القاسية التي تنعدم فيها مختلف مقومات الحياة إنها ممر إجباري في ظل انعدام خيارات الحركة نحو الجنوب باستثناء شارع الرشيد ويرى أستاذ الجغرافيا سعيد شملخ أن تبة النويري تحولت إلى مرآة تعكس حجم النكبة المستمرة ولحظات الانهيار الإنساني في وجه التهجير القسري حيث لا مأوى إلا التراب ولا أمان إلا الأمل ويوضح لـالعربي الجديد أن التبة التي تقع غربي مخيم النصيرات تتميز بارتفاع نسبي يجعلها تطل على مناطق مثل المغراقة والزهراء وهي قريبة كذلك من حاجز نتساريم الإسرائيلي هذه النقطة تعتبر أحد المراحل الأخيرة التي يصل إليها النازحون قبل الدخول إلى المناطق الوسطى والجنوبية أو المرور من المحور الأوسط إلى الشمال خصوصا مع فتح ممر نتساريم ويبين شملخ أن تبة النويري تحولت إلى شاهد على حركة النزوح إذ إنه مع بدء العدوان الإسرائيلي نزح سكان من مدينة غزة وشمال القطاع نحو الوسط والجنوب وفي أثناء ذلك كانت التبة إحدى محطات التوقف أو التجمع وقد تعرضت لهجمات إسرائيلية أدت إلى سقوط شهداء وإصابات من النازحين الذين كانوا غالبا بلا حماية يقاسون الإهمال الإنساني ويعانون البرد ليلا فيما شكلت التلة في كثير من الأحيان نقطة موت نتيجة قربها من حاجز نتساريم ويؤكد أستاذ الجغرافيا أن تبة النويري تحولت إلى رمز للمعاناة وأيضا للفرح الموعود عند فتح الممرات إذ إن انتظار الأهالي فيها يعكس أملهم بالعودة ولو في ظروف قاسية علاوة على أن الموقع يستخدم مؤشرا على مدى جدية الالتزامات الإسرائيلية أو الدولية بشأن السماح بالحركة الإنسانية وقد استخدمت التلة في فترات وقف إطلاق النار باعتبارها موقع عبور أو مكان انتظار قبل السماح للنازحين بالعبور إلى الشمال وخلال اتفاق وقف إطلاق النار الأخير في بداية العام الحالي نصب الكثير من النازحين خيامهم هناك تحسبا للعودة حين يفتح الطريق أو عندما يمنحون الإذن للتوجه نحو مناطقهم وذكرت تبة النويري مؤخرا في سياق حرب الإبادة المتواصلة باعتبارها واحدة من المناطق المستخدمة للنزوح أو التجمعات المؤقتة للنازحين وموقع مراقبة تستخدمه القوات الإسرائيلية أو تتواجد فيه بعض الآليات أو الدبابات للتحكم في الحركة بسبب موقعها الجغرافي المرتفع نسبيا في محيط مخيم النصيرات