تاريخ سكك حديد مصر هندسة الحياة الاجتماعية في القرن الـ19
113 مشاهدة
في عام 1858 كان اثنان من أبناء محمد علي على متن قطار متجه إلى القاهرة الأمير أحمد أحد أبناء الأسرة الحاكمة وحامل آمال الوراثة آنذاك وأخوه الأصغر الأمير حليم الابن الرابع لمحمد علي حين لاحظ حليم متأخرا أن الجسر المعلق فوق النهر لم يكن في مكانه قفز في النيل وجرى إنقاذه بينما بقي الأمير أحمد وحاشيته في العربة ليغرق الجميع في كتابه تاريخ سكك حديد مصر المركز القومي للترجمة 2025 يورد الباحث البلجيكي ليونيل فينير هذه الحادثة بوصفها واقعة كاشفة للوجه المركب لمشروع التحديث الذي أدخل مصر إلى عصر السكك الحديدية حيث ترافقت الطموحات الكبرى مع المخاطر والتضحيات وقد جاءت الواقعة بعد عامين فقط من تدشين أول خط يربط القاهرة بالإسكندرية في لحظة كانت البلاد فيها تدخل زمن السرعة على نحو فجائي وقاس وفي هذا السياق يذهب الكتاب الذي نقله للعربية حسن نصر الدين إلى أن المصالح المصرية لم تكن الدافع الأساسي وراء إنشاء خطوط القطارات في منتصف القرن التاسع عشر فالموقع الجغرافي للبلاد بوصفها حلقة وصل على طريق الهند جعلها جزءا من الحسابات الإمبراطورية البريطانية ويشير فينير إلى أن المشروعات الأولى استهدفت بالأساس إنشاء خطوط تمتد من الإسكندرية إلى موانئ البحر الأحمر بما يسمح باختصار زمن الرحلة بين إنجلترا ومستعمراتها في الهند وتقليل كلفة النقل دشنت القطارات في مصر ضمن سياق الصراع بين إنكلترا وفرنسا في عام 1851 كلف عباس باشا حاكم مصر آنذاك المهندس الإنكليزي روبرت ستيفنسن بالإشراف على تشييد خط السكك الحديدية الممتد من الإسكندرية إلى القاهرة ثم السويس ووقع ستيفنسن عقدا لمدة عامين مقابل 55 ألف جنيه إسترليني تعهد بموجبه بإحضار الفنيين الأجانب مع الاعتماد على الأيدي العاملة المحلية التي وضعت تحت تصرفه عبر نظام السخرة حيث كان الضباط المصريون يسوقون العمال إلى مواقع العمل وبينما بدا القرار في ظاهره مبادرة سيادية فإنه كان مندمجا عمليا في شبكة المصالح البريطانية الأوسع ويكشف فينير اعتمادا على وثائق أصلية كيف أن هذا المشروع الذي قدم بوصفه علامة على التحديث قام في الواقع على كلفة بشرية باهظة دفعتها آلاف الأيدي العاملة المصرية يتتبع الكتاب المراحل التاريخية لتدشين خطوط القطارات في مصر واضعا إياها ضمن سياق الصراع الإمبريالي بين إنكلترا وفرنسا فبينما حصلت الشركات الفرنسية على امتياز حفر قناة السويس استأثرت بريطانيا بتأسيس شبكة السكك الحديدية بوصفها أداة أكثر سرعة وفاعلية في نقل التجارة والبضائع بين أوروبا ومستعمراتها في الهند وجنوب آسيا ويشير فينير إلى أن مصر كانت ثاني دولة في العالم تستخدم السكك الحديدية بعد إنكلترا وهو ترتيب لا يعكس تقدما صناعيا بقدر ما يعكس الموقع الاستراتيجي للبلاد ضمن طرق التجارة الإمبراطورية إذ بدأ التشغيل الفعلي عام 1854 بتسيير أول قاطرة على خط يربط القاهرة بمدينة كفر الزيات إحدى مدن وسط دلتا النيل قبل أن يمتد بعد عامين إلى الإسكندرية ثم إلى البحر الأحمر ومنذ تلك اللحظة لم تعد السكك الحديدية مجرد وسيلة نقل بل عنصرا مؤثرا في إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية والاجتماعية للبلاد وعبر نحو أربعمئة صفحة مدعومة بالخرائط والصور والوثائق يرصد الكتاب كيف تغير إدراك السكان للزمن والمكان وكيف تحولت القاطرة إلى عنصر بنيوي في تشكل المدينة الحديثة فالمسافة بين القاهرة والإسكندرية التي كانت تقطع في أيام صارت لا تستغرق سوى ساعات بينما تحولت المحطات الجديدة إلى نقاط جذب عمراني نشأت حولها الأسواق والورش ومساكن العمال والمقاهي والمخازن ويوضح فينير أن التمدد العمراني في القاهرة والإسكندرية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر لم يكن نتيجة النمو السكاني وحده بل انعكاسا لتحول أنماط الحركة فحيثما وجدت محطة تغيرت وظيفة المكان وتشكل مجتمع صغير يدور حول إيقاع القطارات ولأن فينير جمع بين الهندسة والتاريخ فقد نظر إلى القطار بوصفه أكثر من آلة ميكانيكية متأملا أثره في تشكل مفاهيم الوقت والانضباط والعمل فالسفر لم يعد امتيازا للنخب وحدها بل تجربة متاحة لعمال الورش والطلاب والتجار ما غير عمليا من طبيعة الحياة وأدخل المجتمع في ما يمكن وصفه بـ الحداثة اليومية كما يقول المؤلف أي انتظام الزمن ودقة المواعيد واتساع المجال الاجتماعي