بلاد لا تشبه الأحلام لبشير البكر سيرة ناقصة ومؤجلة
في عمله الجديد الصادر عن دار نوفل – هاشيت أنطوان بعنوان بلاد لا تشبه الأحلام (2025)، يقدّم الكاتب والصحافي السوري بشير البكر سردية غير تقليدية عن سورية، تمتد عبر 252 صفحة من القطع المتوسط، تحمل في طياتها كتابة تمزج بين الشعر والتوثيق، الذاكرة والتاريخ، الذات والآخر، في محاولة لإعادة الاعتبار إلى إنسان هذا البلد ومكانه وهويته الثقافية والاجتماعية.
لا يكتب البكر من مسافة، بل من عمق التجربة، ومن ذاكرة لم تبرأ بعد من وجع الفقد والغربة، بوصفه مؤرخاً للوجدان السوري. يمضي في روايته كمن يعيد بناء وطن مكسور بالحبر، وطن يُكتب عبر سرد حميمي عن منطقة الجزيرة السورية، بخصوصيتها الثقافية واللغوية، وثراء مفرداتها، بعيداً عن التشويه الذي فرضته الأيديولوجيات والحروب.
يروي البكر حكاية أهل المنطقة المغيّبة ثقافياً، وينتقل عبر محطات في سورية ولبنان وفلسطين، إضافة إلى مدن في أوروبا والعالم العربي. ينطلق من سيرة ذاتية، ويدوّن شهادته على أحداث عاشها أو عايشها، ضمن رؤية متكاملة لتاريخ سورية في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته. كان لذلك الزمن أن يؤدي إلى تحوّل عميق لدى أولئك الذين عاشوا تاريخهم الممنوع، وهذا ليس بالأمر السهل في بلد مثل سورية.
يرسم محطة بين زمنين: زمن الصراع، وزمن الدفء في الحسكة
لا تعود الذاكرة، كما يكتبها البكر، إلى سير ذاتية فردية فقط، بل تنسج علاقة دقيقة بين ما يسميه التاريخ المعيوش والتاريخ الطبيعي. فالرواية ليست فقط عن الماضي، بل عن محاولات فهم الحاضر من خلال استعادة المهمّش والمنسي. هي كتابة تسعى إلى تحويل التجربة الذاتية إلى سرد جماعي، وتعيد الحياة إلى تاريخ الإنسان البسيط، ذلك الذي لا يجد مكاناً له في كتب التاريخ الرسمية.
ولأجل ذلك، ينخرط البكر في أسلوب كتابة يحاول تشكيل الحقيقة التاريخية. هذا الأسلوب كان أساس عمله الصحافي، كما في كتاباته السياسية وأعماله الشعرية. يكافح، من خلاله، ليجعل بلده أفضل وأكثر إيجابية، جامعاً بين الواقعية والتخييل الروائي، ومنطلقاً من الخاص إلى العام، رابطاً بين المؤرخ والصحافي في توثيق التاريخ الثقافي والاجتماعي والسياسي.
يمضي
ارسال الخبر الى: