اليمن نحو تعديل اتفاقيات الغاز بعد انسحاب الإمارات
470 مشاهدة
في الوقت الذي يقف فيه اليمن على أعتاب مرحلة مهمة باستعادة أهم المواقع والمنشآت الاقتصادية التي أخلتها الإمارات بعد مغادرتها وعلى رأسها منشأة بلحاف في شبوة لتصدير الغاز الطبيعي المسال التي تعتبر أكبر مشروع استثماري في اليمن تصل تكلفة إنشائه إلى 5 4 مليارات دولار تبرز العديد من التحديات لتشغيل هذا المشروع العملاق وإعادة تصدير الغاز في ظل الأزمة المالية الخانقة وحاجة البلاد الماسة لمواردها الرئيسية لمواجهتها وتأتي اتفاقيات أسعار تصدير الغاز الطبيعي المسال على رأس هذه التحديات التي ستتصدر اهتمامات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا الجديدة والتي ستعطي أولوية لاستعادة الموارد الرئيسية للدولة خلال الفترة القادمة وأهمها النفط والغاز حيث من المتوقع أن تشهد البلاد انفراجة سياسية وحوارا بين جميع الأطراف يرتكز الجانب الاقتصادي منه على خريطة الطريق التي تشرف عليها وترعاها الأمم المتحدة ودول أخرى معنية بملف الأزمة اليمنية وقالت مصادر مطلعة لـالعربي الجديد إن اليمن من خلال الجهات المعنية ممثلة بمجلس القيادة الرئاسي ستستأنف المفاوضات التي كانت قد شرعت فيها في عام 2022 وهو العام الذي شهد تغيرات واسعة وقفزة كبيرة في أسعار الغاز الطبيعي المسال بنحو 5 أضعاف حيث تعثرت محاولات سابقة بالتزامن مع توقف تصدير النفط الخام بسبب استهداف الحوثيين لموانئ التصدير الحكومية في أكتوبر تشرين الأول من العام 2022 صفقات غاز مجحفة يؤكد المستشار الاقتصادي برئاسة الجمهورية في اليمن فارس النجار في تصريح لـالعربي الجديد أن توقف بلحاف وتصدير الغاز شكل أكبر الاختناقات الهيكلية التي واجهت الاقتصاد اليمني والمالية العامة فالأمر ليس فقط من ناحية فقدان مورد رئيسي مهم بل من جانب تعطيل منشأة سيادية كان لها دور محوري في الاقتصاد الوطني من خلال الموازنة العامة وميزان المدفوعات وتشير العديد من التقارير والدراسات إلى أن ثروة الغاز في اليمن تم التفريط بها في صفقة عقود الامتياز لشركة توتال وشركائها فخلال الفترة 2009 2013 بلغت قيمة الصادرات من الغاز حوالي 14 5 مليار دولار عند سعر المليون وحدة حرارية يساوي 7 11 دولارات حصلت الحكومة على عوائد منها قرابة 787 مليون دولار ما يساوي 5 فقط من إجمالي قيمة صادرات الغاز بينما استحوذت توتال وشركاؤها على 95 من تلك العوائد ويعود هذا الفارق الكبير بين الحصتين إلى بعض البنود المجحفة في اتفاقيات العقود بين الحكومة والشريك المشغل توتال وشركائها حسب مراقبين وقبل التوقف مثلت منشأة بلحاف التي تديرها الشركة اليمنية للغاز الطبيعي المسال بقيادة توتال أحد أهم المصادر الأكثر انتظاما لتدفقات النقد الأجنبي خارج إطار صادرات النفط الخام وأظهرت بيانات صندوق النقد الدولي أن صادرات الغاز الطبيعي المسال ارتفعت تدريجيا من نحو مليار دولار في عام 2010 إلى نحو 3 8 مليارات دولار في العام 2014 والحديث هنا عن إجمالي الصادرات وليس الإيرادات التي تدخل إلى خزينة الدولة لأن هناك فرقا بينهما حسب المستشار الاقتصادي برئاسة الجمهورية في اليمن فارس النجار لذا فإن الأمر بالمجمل أدى إلى إضعاف قدرات الدولة على إدارة العجز الخارجي كما زادت هشاشة سوق الصرافة نتيجة غياب مورد أساسي بالدولار والذي شكل كذلك ضغطا على فاتورة الاستيراد إلى جانب تقليص هامش السياسة المالية في ظل تراجع الإيرادات غير النفطية وهو ما جعل اليمن وفق النجار يعتمد بشكل كبير على المساعدات الخارجية والتحويلات وأضاف النجار كما أن حالة القوة القاهرة التي أعلنتها توتال في العام 2015 وما تبعها من غياب أمني واضح لإعادة تشغيل المشروع أسهمت كذلك بشكل كبير في تآكل الثقة الاستثمارية في هذا القطاع وساهمت كذلك في إضعاف موقف اليمن التفاوضي نتيجة الأزمة في البلاد وتسبب ذلك في خسائر كبيرة للاقتصاد الوطني مراجعة اتفاقيات العقود كان ميناء بلحاف لتصدير الغاز الطبيعي المسال في محافظة شبوة جنوب شرقي اليمن تحت سيطرة القوات العسكرية الإماراتية والتشكيلات التي تدعمها والتابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي منذ بداية الحرب والصراع في اليمن العام 2015 إلى جانب منشآت اقتصادية أخرى مهمة من موانئ ومطارات تتوزع في محافظات ومدن عديدة مثل عدن وحضرموت وشبوة والمهرة وجزيرة سقطرى والمخاء وباب المندب في الساحل الغربي لليمن ويشدد الأكاديمي والخبير الاقتصادي اليمني هشام الصرمي في حديث لـالعربي الجديد على أهمية هذا المورد بلحاف بوصفه رافدا أساسيا ساهم بدور كبير في أزمات مالية سابقة مشيرا إلى أن الأمور غير واضحة حاليا بخصوص ما سيتم في استعادة مثل هذا المورد الاقتصادي المهم فالأمر يتطلب انتظار مسارات الأحداث واستقرار المناطق التي توجد فيها مثل هذه المشاريع كما هو الحال بالنسبة لمشروع بلحاف ويرى خبراء اقتصاد ومختصون في النفط والغاز أن أمام السلطات في اليمن مسؤولية تاريخية قبل الحديث عن عوائد الغاز إذ يجب توحيد المواقف حول الحقوق السيادية لليمن في ثروة الغاز وضرورة المطالبة بمراجعة اتفاقيات العقود مع الشريك المشغل توتال لضمان بيع الغاز وفقا للأسعار الدولية حتى تحصل الحكومة على حصتها العادلة من الأرباح ومنع المشغل من الاستيلاء على الاحتياطي الخاص بالدولة إضافة إلى تعويض الحكومة عن الخسائر الناجمة عن تصدير الغاز على حساب النفط في المكامن ورسوم منشآت المنبع التي يجب أن تؤول ملكيتها إلى الحكومة وليس لشركة أجنبية غير قانونية ويقول الخبير الجيولوجي في النفط والغاز عبدالغني جغمان إن توتال هي المعنية بإعادة تشغيل المشروع حيث يظل السؤال هنا هل ترغب باتخاذ الخطوة الأولى لإعادة تشغيل مشروع بلحاف في الوقت الراهن وعلى أي أساس يمكن أن يتم ذلك فالغاز يتم جلبه عبر أنابيب من حقول صافر في مأرب إلى شبوة وتصديره عبر ميناء بلحاف إذ تبرز بسبب ذلك مشكلة أخرى تتطلب حلها لأن المنطقة التي تمر عبرها الأنابيب من مناطق الإنتاج إلى مناطق التصدير ليست آمنة وهي مناطق قبلية وعسكرية يسودها توتر وغير مستقرة ويوضح جغمان أن هناك قضايا عديدة تم رفعها في المحاكم وهناك حكما قضائيا صادرا يلزم توتال بإلغاء عقدها وتعويض اليمن عن الخسائر الناجمة عن العقد المبرم لذا فالموضوع فني واقتصادي وقانوني فاليمن يطالب بمراجعة العقود والاتفاقيات والأسعار وحصة الحكومة وهناك مشاكل قانونية مع توتال تتطلب النظر فيها وحلها ويتطرق جغمان إلى نقطة تتعلق بعملية إعادة تشغيل مشروع بلحاف مشيرا إلى أن ذلك يتطلب ما يقارب مليار دولار لإعادة صيانة المنشأة وتأهيلها وفترة لا تقل عن ستة أشهر لتنفيذ أعمال الصيانة والتأهيل للمواقع والأنابيب والآلات وغيرها كما يلفت جغمان إلى أن عملية إعادة تشغيل المشروع والتصدير تحتاج إلى اتفاق سياسي يمني شامل ضمن خطة خريطة الطريق بين جميع الأطراف لإعادة تصدير النفط والغاز في اليمن ويوضح جغمان في حديث لـالعربي الجديد أن المشروع الذي كلف أكثر من 4 مليارات دولار في مرحلة أولى وتجاوز 5 مليارات دولار إجمالا تم تنفيذه بقرض من أحد البنوك الأوروبية بضمان الغاز اليمني واحتياطياته بمعنى أن توتال قدمت لليمن وأخذت شهادة الاحتياطي الغازي بعد أن حصلت على القرض من البنك الأوروبي ومن ثم عملت على تنفيذ المشروع إذ تم ذلك مقابل الحصول على 10 مليارات دولار في حين لم تكن حصة اليمن منها سوى نحو مليار دولار فقط