باسكال باتاي ضد وباء الضجيج فضيلة الكلام وحكمة الصمت
أليس من التناقض أن نتحدث عن الصمت؟ كيف نُمسك بما هو، في حقيقته، غياب للكلام؟ وهل الصمت مجرد خواء، أم أنه شكلٌ آخر من أشكال الحضور؟ بسلسلة من هذه التساؤلات الطريفة في ظاهرها، العميقة في جوهرها، يفتتح الباحث والإعلامي الفرنسي باسكال باتاي كتابه رسالة صغيرة في الصمت لخدمة شديدي الصياح والجلبة (منشورات غي تريدانيال، باريس، 2025).
في زمنٍ يعلو فيه الضجيج، وتختلط فيه الأصوات بالصياح والكلام المتفلت من عقاله، يستحضر باتاي في مستهل كتابه القول الشائع إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب، ليُطلق تأمّلاً في تلك الثنائية المربكة: متى يصبح الكلام فضيلة؟ ومتى يغدو الصمت حكمة؟ لكنه لا يُسارع إلى الإجابة، بل يتأنّى عند عتبة المفهوم، مبيّناً أن الصمت ليس مجرد امتناع عن النطق، بل فعلٌ إيجابي، فسحةٌ زمنيةٌ ونفسية تتيح التأمل والإنصات والإدراك العميق.
تأمّل أنواع الصمت
ولأن الصمت ليس واحداً، يفرد باتاي لكل نوعٍ من أنواعه تأملاً خاصاً. فيتحدث على تتابع الأربعة والعشرين فصلاً التي يؤلف مجموعها متن الكتاب عن صمت العاشق المكلوم، وصمت الحكيم المتأمل، وصمت الجاهل الحائر، وصمت الكاذب المراوغ، وصمت الفقد والغياب والموت والموسيقى، لكنه يتحدث أيضاً عن صمت الله، ملك الأرض كلها دون منازع، إزاء الشرور وكل ما يجري في العالم. فالصمت ليس تجربة داخلية ثرية، متعدّدة الأبعاد، عصيّة على التعريفات السطحية فقط، بل سؤال فلسفي ولاهوتي.
طاقة خفية وضرورة حياتية تطهّر النفس وتتخذ أشكالاً شتّى
يبدأ المؤلف بالتأكيد على أن المجتمعات الحديثة باتت تنفر من الصمت وتكاد تخشاه، فمع تصاعد ثقافة التواصل الفوري، والإعلام المستمرّ، ورنين الإشعارات على الهاتف المحمول، أصبح الصمت مرادفاً للفراغ والقلق. يقول باتاي: نحن نعيش في زمنٍ فُرضت فيه الضوضاء علينا كقَدرٍ لا مفرّ منه. يدخل الإنسان بيته فيُشغّل التلفاز أو الراديو أو يُعلي مكبر الصوت الذكي لاشعوريّاً وكأن الصمت خطرٌ يجب طرده. هذا الضجيج المتواصل لا يرهق آذاننا فحسب، بل يُثقل أعماقنا ويعيق قدرتنا على الإصغاء والتفكير والإنصات للذات والآخر. إنه يغرقنا بمعلومات لا تمنحنا
ارسال الخبر الى: