ايران لماذا يكذب الإعلام العربي
وما يسطرون – المساء برس.. محمد أحمد سهيل المعشني|
في كل حرب كبرى، لا تبدأ المعركة بالصواريخ وحدها، بل بالرواية. فقبل أن يسقط أول هدف عسكري، تكون غرف الأخبار قد بدأت فعليا في رسم صورة المنتصر والمهزوم، وتحديد من يتقدم ومن يتراجع، حتى لو كانت الوقائع على الأرض لا تزال غامضة ومفتوحة على كل الاحتمالات.
ما يحدث اليوم في تغطية الحرب الجارية مع إيران يكشف هذه الحقيقة بوضوح شديد. فمنذ أيام، تتحدث واشنطن عن “تقدم كبير” في المفاوضات، وعن “مسودة اتفاق”، وعن اقتراب نهاية الأزمة، بينما تواصل طهران نفي وجود أي تفاهم نهائي، أو حتى التقليل من قيمة ما يسرّب أمريكيا.
وبين الروايتين، لا يقف جزء واسع من الإعلام العربي في موقع المراقب أو المحلل، بل يقف غالبا في موقع الناقل المتحمس للرواية الأمريكية، وكأنها حقيقة مكتملة لا مجرد جزء من معركة سياسية ونفسية مفتوحة.
المشكلة هنا ليست في أن الولايات المتحدة تمارس الحرب النفسية، فهذا سلوك طبيعي تمارسه كل الدول الكبرى أثناء الحروب. المشكلة أن بعض الإعلام العربي يؤدي هذه المهمة عنها مجانا، وبحماس يفوق أحيانا حماس صانعي الرواية أنفسهم.
فبمجرد أن يخرج تصريح أمريكي عن “اتفاق قريب”، تتحول التسريبات فورا إلى عناوين عريضة تتحدث عن “تراجع إيراني”، أو “قبول بالشروط الأمريكية”، أو “نهاية وشيكة للحرب”، رغم أن الوقائع الميدانية تقول شيئا مختلفا تماما. فمضيق هرمز لا يزال مضطربا، والهجمات البحرية لم تتوقف بالكامل، والضغوط الاقتصادية مستمرة، والبيت الأبيض نفسه يكرر التهديدات بالتوازي مع حديثه عن التهدئة. أي أننا أمام حرب لم تحسم بعد، لكن بعض النشرات الإخبارية تتصرف وكأن النهاية كتبت بالفعل.
وهنا يظهر السؤال الحقيقي: لماذا يحدث ذلك؟
جزء من الجواب يتعلق بطبيعة بنية الإعلام العربي نفسه. فالكثير من غرف الأخبار العربية تعتمد بصورة شبه كاملة على الوكالات الغربية، والتسريبات الأمريكية، ومراكز التفكير المرتبطة بواشنطن. ولهذا تصبح الرواية الأمريكية هي “النص الأصلي”، بينما تعامل الروايات الأخرى كهوامش أو ردود فعل متأخرة. حتى اللغة المستخدمة تكشف ذلك أحيانا؛
ارسال الخبر الى: