انقلاب اقتصادي في دافوس ترامب يربك أوروبا ويكسر قواعد التجارة
72 مشاهدة
لم يكن الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا العام مجرد محطة تقليدية لتبادل الرؤى حول النمو والاستثمار والحوكمة بل تحول إلى ساحة مكشوفة لانقلاب اقتصادي في قواعد الخطاب والاصطفاف العالميين فمع اقتراب وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المنتجع السويسري تصاعد التوتر داخل القاعات المغلقة وعلى المنصات العامة وسط شعور أوروبي متزايد بأن النظام الاقتصادي الذي حكم العلاقات عبر الأطلسي لعقود بات مهددا وأن روح الحوار التي اختارها المنتدى الاقتصادي العالمي شعارا لهذا العام تواجه اختبارا غير مسبوق ودخل قادة أوروبا إلى دافوس وهم تحت وقع أحدث مناورة سياسية واقتصادية من واشنطن بعدما لوح ترامب بفرض رسوم جمركية على دول أوروبية تعارض مسعاه لضم غرينلاند الإقليم المتمتع بالحكم الذاتي التابع للدنمارك ولم يكن تهديد ترامب رمزيا بل حمل رسالة مباشرة إلى الأسواق والشركات مفادها أن التجارة باتت أداة ضغط سيادي وأن التحالفات التقليدية لم تعد خطوطا حمراء هذا التحول أربك المزاج العام في دافوس فبدل النقاشات المعتادة حول سلاسل الإمداد والتحول الأخضر انصب اهتمام الوفود الأوروبية على كيفية احتواء التصعيد الأميركي دون الانزلاق إلى مواجهة تجارية مفتوحة في وقت تعاني فيه القارة تباطؤا اقتصاديا وضغوطا مالية متزايدة ويرى محللا الشؤون الاقتصادية في وكالة بلومبيرغ الأميركية سريدار ناتاراجان ومارك بيرغن أن دافوس 2026 لم يعد يعكس مجرد حالة قلق عابرة في الأسواق بل يكشف انتقالا فعليا إلى مرحلة جديدة من الاقتصاد العالمي تتآكل فيها القواعد التي حكمت التجارة والعولمة لعقود فسياسات الرئيس ترامب كما يقدمها المحللان لم تكتف بإرباك الحلفاء أو إعادة ترتيب الأولويات بل أحدثت صدمة هيكلية دفعت النخب السياسية والاقتصادية إلى التعامل مع عالم تحكمه القرارات الفجائية والرسوم الجمركية وتسييس التكنولوجيا وسلاسل الإمداد وفي هذا السياق تحول دافوس من مساحة لبناء التوافقات إلى ساحة لرصد موازين القوة الجديدة إذ بات السؤال المركزي ليس كيف نحافظ على النظام القائم بل كيف نتكيف مع نظام يتشكل على وقع الصدام وعدم اليقين أوروبا تبحث عن جبهة موحدة في مواجهة هذا المشهد حاول القادة الأوروبيون إظهار قدر من التماسك السياسي غير أن تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كانت الأكثر وضوحا إذ شدد في خطاب له في المنتدى أول أمس الثلاثاء على أن الاتحاد الأوروبي لا ينبغي أن ينحني لقانون الأقوى وقال ماكرون إن أوروبا لن تستسلم أمام المتنمرين أو تخضع للترهيب في انتقاد لاذع لتهديد نظيره الأميركي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية باهظة إذا لم تسمح له أوروبا بالسيطرة على غرينلاند وفق رويترز واعتبر الرئيس الفرنسي أن مجرد التفكير في استخدام أدوات الردع التجاري ضد الولايات المتحدة يعكس مدى خطورة اللحظة الراهنة وحذر ماكرون من عالم تكسر فيه القواعد وتفرض فيه الإرادات بالقوة الاقتصادية وقال نفضل الاحترام على المتنمرين ونفضل سيادة القانون على الوحشية وجاءت تصريحات ماكرون بعدما هدد ترامب بفرض رسوم جمركية ضخمة على النبيذ والشمبانيا الفرنسية ونشر رسائل أرسلها إليه ماكرون على نحو شخصي وهو خرق غير معتاد للحصافة الدبلوماسية وكان ترامب تعهد يوم السبت الماضي بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة اعتبارا من أول فبراير شباط على عدد من الحلفاء الأوروبيين بمن فيهم فرنسا إلى أن يسمحوا للولايات المتحدة بالاستحواذ على غرينلاند وهي خطوة نددت بها دول الاتحاد الأوروبي الكبرى ووصفتها بالابتزاز ومن المقرر أن يعقد الاتحاد الأوروبي غدا الخميس قمة طارئة بخصوص غرينلاند وقد تفرض رسوم جمركية في السادس من فبراير شباط على سلع أميركية قيمتها 93 مليار يورو والتي استبعدها الاتحاد الأوروبي عندما وافق ترامب على اتفاق تجاري مع التكتل في الصيف الماضي ومن دون الإشارة مباشرة إلى ترامب شددت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على ضرورة الاستجابة للتحولات الزلزالية التي يشهدها العالم وقالت إن سرعة التغيرات وحجمها دفعا إلى إجماع داخل أوروبا حول الاستقلال وقالت في خطابها بالمنتدى حان الوقت لاغتنام هذه الفرصة وبناء أوروبا جديدة مستقلة من جانبه قال رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر إن التكتل المؤلف من 27 دولة يقف عند مفترق طرق إذ يتعين عليه أن يقرر كيفية الخروج من وضع سيئ للغاية بعد محاولة استرضاء ترامب للحصول على دعمه في حرب أوكرانيا وأضاف خلال جلسة نقاش في المنتدى لذا ينبغي أن نتحد وأن نقول لدونالد ترامب إنك تتجاوز الخطوط الحمراء هنا إما أن نقف معا وإما سنقف منقسمين وقالت نائبة رئيس الوزراء السويدي إيبا بوش لـرويترز إن محاولات كسب ترامب عبر التملق كما حاول بعض القادة الأوروبيين في السابق لن تنجح وأضافت على الاتحاد الأوروبي أن يشدد موقفه ويحافظ على خطه مشيرة إلى أن التكتل في حاجة إلى إبقاء خيارات الرد التجاري جاهزة انقسام أوروبي تحت السطح وتواجه الحكومات الأوروبية التي تعاني أصلا تصاعد تحديات الأحزاب الشعبوية والقومية خلافات حول كيفية الرد على تهديد الرسوم الجمركية مع الحفاظ في الوقت ذاته على دعم الولايات المتحدة لأوكرانيا وقال بعض كبار المصرفيين والتنفيذيين في دافوس الذين تحدثوا لـرويترز شريطة عدم الكشف عن هوياتهم إنهم يرون أن رد فعل القادة الأوروبيين على تحركات ترامب كان عاطفيا أكثر منه براغماتيا وأشار اثنان منهم إلى أن القارة في حاجة إلى النظر إلى ما هو أبعد من أسلوب الرئيس الأميركي في إيصال رسائله والانخراط في تفاوض وقال أحد كبار المصرفيين لكنهم لا يريدون حتى خوض هذا الحوار لأنهم مستاؤون للغاية من الأسلوب ومن ثم ما لديك في أوروبا هو توازن دقيق جدا لقارة لا تستطيع التحرك معا nbsp وفي المقابل أعرب وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت عن ثقته في أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية ستتوصل إلى حل وتتجنب ما حذر البعض من أنه قد يتحول إلى حرب تجارية مطولة وقال لماذا نقفز إلى هذا السيناريو لماذا تأخذون الأمر إلى أسوأ الاحتمالات هدئوا من الهستيريا خذوا نفسا عميقا وخلال حديثه على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي أمس الأربعاء تجاهل سكوت بيسنت مزاعم تفيد بأن مستثمرين أوروبيين مثل صناديق التقاعد الدنماركية قد ينسحبون من سوق الدين الحكومي الأميركي ردا على محاولة ترامب ضم غرينلاند وقال بيسنت حجم استثمارات الدنمارك في سندات الخزانة الأميركية مثل الدنمارك نفسها غير ذي صلة وأضاف إنه أقل من 100 مليون دولار لقد كانوا يبيعون سندات الخزانة منذ سنوات أنا غير قلق على الإطلاق وألقى بيسنت باللوم على nbsp ما وصفه بـ وسائل الإعلام المزيفة بقيادة فاينانشال تايمز في تضخيم تقرير صادر عن دويتشه بنك أشار إلى أن أوروبا قد تصبح أقل استعدادا للاستمرار في شراء الدين الحكومي الأميركي في ظل الأزمة المتعلقة بملكية الجزيرة القطبية وقال بيسنت للصحافيين إن الرئيس التنفيذي للبنك الألماني اتصل به ليؤكد أن البنك لا يتبنى النتائج الواردة في التقرير nbsp ووصف بيسنت تصريحات ماكرون وفون دير لاين بأنها تحريضية واقترح أن يركز الرئيس الفرنسي على القضايا الداخلية بدلا من الدفع نحو مهمة لحلف شمال الأطلسي ناتو في غرينلاند وقال بيسنت إذا كان هذا كل ما لدى الرئيس ماكرون ليقوم به في وقت تعاني فيه الموازنة الفرنسية الفوضى فأقترح عليه أن يركز على أمور أخرى تهم الشعب الفرنسي وجاءت تصريحات بيسنت في الوقت الذي كان فيه ترامب متجها إلى دافوس متأخرا عن الجدول الزمني بعدما سبب عطل في طائرة الرئاسة الأميركية تأخير الرئيس بنحو ثلاث ساعات nbsp ودعا بيسنت القادة المجتمعين في دافوس إلى عدم إظهار غضب انعكاسي ومرارة وحثهم بدلا من ذلك على انتظار وصول ترامب والاستماع إلى حججه بشأن سبب وجوب امتلاك الولايات المتحدة غرينلاند وأضاف أعتقد أنهم سيقتنعون هل تتجه أوروبا نحو الصين ووسط هذا التوتر الأوروبي الأميركي قدمت الصين نفسها في المنتدى شريكا اقتصاديا مستقرا يرفض الحمائية ويدعو إلى الانفتاح التجاري وقال نائب رئيس مجلس الدولة الصيني خه لي فنغ من دون أن يذكر دولة بعينها الممارسات الأحادية والاتفاقيات التجارية لبعض الدول انتهكت بوضوح المبادئ والقواعد الأساسية لمنظمة التجارة العالمية وألحقت ضررا بالغا بالنظام الاقتصادي والتجاري الدولي وأضاف في خطابه الصين شريك تجاري لجميع الدول وليست خصما لها وتنمية الصين تمثل فرصة وليست تهديدا للتنمية الاقتصادية العالمية وتابع الصين مستعدة للاستفادة من سوقها الضخمة للغاية وتوسع الواردات بوتيرة أكثر قوة وقال نحن لا نرغب فقط في أن نكون مصنع العالم بل بحماس أكبر نرغب في أن نكون سوق العالم وساعد الطلب القوي على السلع المصنعة في الصين خلال العام الماضي ثاني أكبر اقتصاد في العالم على تجاوز التحديات الناجمة عن السياسات التجارية المتقلبة للرئيس الأميركي وضعف المبيعات المحلية غير أن اعتماد الصين على الصادرات خلق فائض طاقة إنتاجية هيكليا وعرضها لاحتمال ردات فعل من دول تسعى إلى حماية قطاعاتها الصناعية المحلية من جانبه قال الرئيس التنفيذي لشركة سويتك الفرنسية للطاقة المتجددة نيكولا إيوز إن شركته قد تفكر في الاستثمار في الصين في ضوء الرسائل الصادرة عن بكين وأضاف السؤال هو هل نستطيع هل يمكننا الذهاب إلى هناك وحماية ملكيتنا الفكرية وحماية استثماراتنا وكيف يتم التواصل ثقافيا ومع كل هذه التطورات بدا اختيار المنتدى الاقتصادي العالمي لشعار روح الحوار هذا العام متناقضا مع الواقع داخل القاعات فالحوار وإن ظل حاضرا شكليا جرى في مناخ مشحون بالتهديدات والتلويح بالإجراءات العقابية وهذا التناقض أثار تساؤلات حول قدرة دافوس على لعب دوره التقليدي منصة للتقريب بين المواقف في عالم يتجه بسرعة نحو الاستقطاب وعند كثير من المشاركين لم يعد دافوس مكانا لصياغة توافقات كبرى بل ساحة لقراءة موازين القوى الجديدة فالانقلاب الاقتصادي الذي تجلى هذا العام لا يتمثل في حدث واحد بل في تراكم قرارات وتصريحات تعيد تعريف العلاقة بين السياسة والاقتصاد