انحياز يمليه فقه الضرورة

يمنات
عبد الله الحريبي
منذ أن بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب يلوّح بإمكانية توجيه بلاده ضربة محتملة ضد إيران، انبرت فئة من المأخوذين بالقوة الأميركية إلى إطلاق تنبؤات مرتجلة تزعم أن إيران لن تتحمل الوقوف أسبوعًا واحدًا أمام الولايات المتحدة الأمريكية.
ولم ينتهِ الأمر عند تثبيت هذه المدة “أسبوع واحد”، وسردية تكرارها في سياقات الحديث عن الحرب المحتملة التي أصبحت على وشك الاندلاع، باعتبارها سقفًا زمنيًا لا تحتاج الولايات المتحدة الأمريكية لأكثر منه لحسم المعركة وإخضاع الخصم، بل ذهب بعضهم إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فتوصل منهم هذا الافتتان إلى حدود تعظيم هذه القوة وتأليهها، ووصفها بالقوة التي تفعل ما تريد، وتحصل على ما تريد في اللحظة التي تقرر ذلك، دون حتى أن يكلّفها هذا عناء التفكير بأي عواقب.
وبلغ هذا التأليه وهذا الخنوع مبلغه عند أغلبهم، إلا أن ما يمكن تصوّره شيء مختلف عما يمكن تحقيقه على الواقع، فالفجوة بين المتخيَّل والممكن قانون مطّرد، وما يتحقق ميدانيًا يأتي في الغالب بنسب ضئيلة قياسًا إلى ما يُستبق إليه من تنبؤات.
والحسبة هنا لا تتعلق بمسألة الحروب فقط، بل تشمل كل ما يُستبق إليه بالحكم قبل التجربة، ناهيك عمّا إن كانت المعادلة تتعلق بقرار حرب!
إن فكرة الحسم السريع في الحروب الحديثة، خاصة بين قوى غير متكافئة بالكامل ولكنها تمتلك أدوات ردع مختلفة، تبدو أقرب إلى التصور النظري منها إلى الواقع العملي، فالحروب المعاصرة لم تعد تعتمد فقط على التفوق العسكري المباشر، بل تشمل شبكة معقدة من العوامل: الردع الصاروخي، الحروب غير التقليدية، التحالفات الإقليمية، والانعكاسات الاقتصادية التي قد تمتد خارج حدود الدولة المستهدفة. لذلك، فإن أي تقدير زمني أو “حتمي” لنتائج مواجهة محتملة يبقى في الغالب تقديرًا مبسطًا.
قد يبدو لكم الحساب هنا بديهيًا، لكنه لم يكن كذلك عند فتح سجال للنقاش مع هؤلاء المبهورين؛ فقد كانوا أكثر ما يستفزّني، أكثر ربما من الرئيس ترامب نفسه، الذي بدأ يتصرف تصرفات خرقاء تُظهر منه شخصًا لا يفهم شيئًا من فنون
ارسال الخبر الى: