رموز اليمين المتطرف في الغرب تجريد الماضي وشيطنة الآخر

44 مشاهدة
في المشهد السياسي الغربي المعاصر تتحول الرموز إلى أدوات فعالة في التعبئة الجماهيرية وإنتاج خطاب هوياتي وتكمن قوة هذه الرموز في قدرتها على اختزال قرون معقدة من التاريخ في أيقونات بسيطة قابلة للتداول بسرعة في الساحات العامة والفضاء الرقمي ما يمنح الحركات السياسية عمقا تاريخيا وإحساسا بالاستمرارية في بريطانيا مثلا يبرز صليب القديس جورج وهو عبارة عن راية بيضاء يتوسطها صليب أحمر كان أحد أبرز الشعارات التي رفعت خلال تظاهرة شهدتها لندن في سبتمبر أيلول الماضي هذه المظاهرة التي تجاوز عدد المشاركين فيها نحو 100 ألف شخص دعا إليها الناشط اليميني المتطرف ستيفن ياكسلي لينون المعروف بتومي روبنسون حيث رفع المتظاهرون عشرات اللافتات التي تحمل الصليب الأحمر الذي تعود جذوره إلى فترة الحروب الصليبية في القرن الحادي عشر حيث ارتداه الفرسان الإنكليز دليلا على إيمانهم وبات لاحقا راية وطنية لإنكلترا في السياق الراهن يتحول هذا الصليب إلى أداة تعبئة ذات دلالة إقصائية تستخدم للدلالة على الهوية الإنكليزية الأصلية في مواجهة الهجرة والتعدد الثقافي وقد رصدت تقارير صحافية بريطانية في عامي 2023 و2025 تحول هذا الرمز إلى علامة متكررة في فعاليات مناهضة لطالبي اللجوء خصوصا بعد الجدل حول إسكان مهاجرين في فنادق ومراكز إيواء مؤقتة بساطة الصليب البصرية تجعل منه شعارا سريع التداول قابلا للطباعة على الملابس واللافتات وسهل التحويل إلى صورة رقمية تنتشر على منصات التواصل اتخذ استدعاء العصور الوسطى في الولايات المتحدة طابعا مختلفا خلال اقتحام مبنى الكابيتول في يناير كانون الثاني 2021 كان هذا المشهد أشبه بأداء بصري هجين يخلط بين مجموعة من الأيقونات المتباينة فإلى جانب شعارات حركة QAnon والعلم الكونفدرالي الذي حمله بعض المقتحمين داخل أروقة الكونغرس ارتدى بعض المشاركين خوذا وأزياء تستحضر صورة المحارب القديم أيضا ممزوجة بملابس شبه عسكرية معاصرة هذا المزج صاغ صورة مركبة لحارس الأمة الذي يدافع عن فكرة أسطورية لوطن مهدد من الداخل والخارج يتحول الصليب الأحمر إلى أداة تعبئة ذات دلالة إقصائية أما في ألمانيا فالمشهد مختلف جذريا بسبب ثقل التاريخ النازي والقيود القانونية الصارمة فبينما تحظر الرموز النازية صراحة تلجأ بعض الجماعات اليمينية إلى استحضار رموز أقدم وأقل مباشرة لكنها تحمل الإيحاء نفسه ففي معظم التظاهرات التي تنظمها جماعات اليمين المتطرف ترفع لافتات تستحضر صورة أوروبا المسيحية إلى جانب أعلام الإمبراطورية الألمانية 1871 1918 ذات الألوان الثلاثة والتي يتوسطها النسر الأسود كذلك يظهر استخدام الرموز الجرمانية القديمة التي وظفتها النازية خلال الحرب العالمية الثانية فعلى سبيل المثال يستخدم حزب البديل من أجل ألمانيا في حملاته الانتخابية تصميما لرمز جرماني معروف باسم أودال ضمن شعارات أخرى تدعو إلى حماية الوطن في استدعاء ضمني للتراث الجرماني وهكذا تتحول هذه الرموز الجرمانية إلى بدائل بصرية ملتبسة تستخدم في منشورات الأحزاب اليمينية وفي الميمات الرقمية لترسيخ فكرة الجذور الجرمانية دون تجاوز الخط الأحمر القانوني ويأتي النسر الأسود ذو الرأسين بوصفه أحد الرموز المشتركة والشائعة بين عدد من التيارات اليمينية في أوروبا لارتباطه تاريخيا بالإمبراطورية الرومانية المقدسة ففي فبراير شباط الحالي ظهر هذا الرمز في الاحتجاجات التي شهدتها مدريد ضد مقترحات لتسوية أوضاع مهاجرين غير نظاميين في تلك التظاهرات التي شاركت فيها شخصيات مرتبطة بحزب فوكس الإسباني رفع هذا الرمز المعبر عن القوة والسيادة والاستمرارية التاريخية الهدف هنا إنتاج سردية استعادة السيادة في مواجهة التغير الديمغرافي والضغوط الثقافية القادمة من شمال أفريقيا وأميركا اللاتينية في كتابه الجذورة الإثنية للأمم يقدم عالم الاجتماع البريطاني أنتوني سميث ما عرف باتجاه الإثنورمزية وهو منظور يركز على دور الأساطير الجماعية والذكريات التاريخية والرموز الثقافية في تشكل الأمم الحديثة ويشير إلى أن الأمم الحديثة تستند في بنائها الرمزي إلى أساطير وذكريات سابقة للحداثة هذا ما يفسر قابلية النسر أو الصليب أو الرمز الجرماني للتحول إلى أدوات سياسية معاصرة فهي توفر عمقا زمنيا يمنح الخطاب السياسي شعورا بالاستمرارية والجذور الضاربة في التاريخ حتى لو جردت هذه الرموز من تعقيدها الأصلي وشحنها بدلالات جديدة تكمن قوة هذه الرموز تحديدا في قابليتها للاختزال البصري وسرعة انتشارها رقميا فالصليب أو النسر يمكن تحويلهما إلى أيقونة صغيرة على صورة حساب أو إلى ميم متداول خلال ساعات في الفضاء الرقمي تعاد صياغة هذه الرموز داخل تصاميم حديثة تجمع بين الطابع الوسيط والتقنيات المعاصرة فتنتشر بسرعة عبر منصات التواصل الاجتماعي متجاوزة حدود المكان وهكذا ينتقل الرمز من ساحة عامة في لندن أو مدريد إلى فضاء رقمي عابر للحدود حيث يعاد إنتاجه وتكييفه وفق سياقات محلية مختلفة تختزل قرون من التحولات والحروب والهجرات في صورة واحدة لا يقتصر استدعاء الماضي على اليمين المتطرف إذ تنطبق الآلية نفسها على اليسار لكن بمرجعيات مختلفة جذريا غير أن خصوصية الحالة اليمينية تكمن في توظيف رموز إمبراطورية أو دينية لإنتاج تصور متجانس للأمة يقوم على فكرة النقاء الأصلي المهدد من الخارج وبينما تختلف الرموز التي توظف من بلد إلى آخر تبقى الآلية واحدة والمتمثلة باختيار عنصر بصري من الماضي وتجريده من تعقيده التاريخي ثم إعادة ضخه في الحاضر بوصفه علامة مكثفة على الهوية والسيادة هكذا يتحول تاريخ أوروبي بالغ التعقيد إلى مجموعة أيقونات جاهزة للتعبئة تختزل فيها قرون من التحولات والحروب والهجرات في صورة واحدة قابلة للتداول والانتشار وعليه يصبح الماضي في الخطاب البصري لليمين المتطرف مادة قابلة لإعادة التدوير تختزل في أيقونات حادة ومكثفة قادرة على إثارة العاطفة وتعبئة الجماهير سواء في الساحات العامة أو عبر شاشات الهواتف المحمولة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح