اليسار الإسباني والعرب
يخوض اليسار التقدّمي في إسبانيا اليوم مرحلةً حاسمةً من تقييم الذات والتجربة التاريخية. مرحلة تحتم عليه إعادة ترتيب الصفوف وتوحيد القواعد الداخلية قبل أن يفقد القدرة على مواجهة موجة اليمين المتطرّف المتصاعدة، سواء في إسبانيا أو في أوروبا، التي تشكّل تهديداً حقيقياً للديمقراطية والمكتسبات المدنية. وقد تحوّلت الانقسامات التقليدية التي عرفها إلى نقاط ضعف استراتيجية تمنح القوى اليمينية المحافظة والمتطرّفة فرصةً لتعزيز نفوذها وتحقيق مكاسب سياسية على حساب القيم التقدّمية. ويبدو واضحاً أن أيّ جهد لإعادة بناء القوة السياسية للاتجاهات التقدّمية يبدأ من الداخل، عبر تجاوز الخلافات القديمة وتوحيد الرؤى حول أهداف مشتركة تعكس المبادئ الأساسية للعدالة الاجتماعية، والحرية، وحقوق الإنسان.
تاريخ اليسار التقدّمي مليء بالتجارب، فقد ظلَّ على مدار العقود الماضية يراوح بين التنوّع التنظيمي وتعدّد المبادرات، لكن محاولاته لتوحيد الصفوف، وإن لم تنجح جميعها، كانت انعكاساً لإدراك أن المستقبل السياسي يتطلّب قوةً متماسكةً قادرةً على مواجهة التحدّيات الكُبرى. اليوم، تتجاوز هذه التحدّيات الصراعات الداخلية لتشمل تأثيراتٍ خارجيةً تمتدّ إلى الساحتين، الأوروبية والعالمية، حيث يتقاطع صعود اليمين المتطرّف مع تغييرات في موازين القوى العالمية ويعيد رسم العلاقات والتحالفات بطريقة قد تهدّد مصالح الشعوب العربية والحقوق الأساسية.
ضمن هذا المشهد، يبرز اليسار التقدّمي الإسباني قوةً أوروبيةً وحيدةً قادرةً على تطوير سياسات متوازنة يمكن للعالم العربي التعويل عليها. فهو يجمع بين القيم الأخلاقية للسياسة (العدالة، واحترام القانون الدولي، والدفاع عن الحقوق الإنسانية) وممارسة النفوذ الفعلي داخل أوروبا، ما يجعله مرجعاً استراتيجياً لا غنى عنه. وفي ظلّ وحدة متماسكة، يصبح قادراً على مواجهة خطاب اليمين الأوروبي الذي يميل إلى السياسات الأحادية ويتجاهل الالتزامات الدولية، ويعيد إنتاج التوجّهات التي قد تهدّد مصالح العرب في أوروبا وقضايا حيوية مثل فلسطين والهجرة والتنمية المستدامة.
يشكّل اليسار الإسباني خط الدفاع الأول في مواجهة أيّ محاولات لتهميش المصالح العربية أو إضعافها
وتتضح أهمية هذا اليسار بشكل خاص في ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية. فبينما تميل بعض القوى الأوروبية إلى التعاطف مع إسرائيل أو تتبنّى مواقفَ مزدوجة، حافظ اليسار
ارسال الخبر الى: