أزمة اليسار الإسباني من تجربة الحكم لخطر التآكل الانتخابي

75 مشاهدة
منذ استعادة الديمقراطية في إسبانيا أواخر سبعينيات القرن الماضي شكل اليسار الإسباني أحد الأعمدة الأساسية للنظام السياسي الجديد وكان فاعلا مركزيا في إعادة بناء الدولة وترسيخ الحريات العامة وتوسيع الحقوق الاجتماعية بعد عقود من حكم ديكتاتوري طويل غير أن هذا اليسار الذي دخل العقد الخامس من عمره الديمقراطي يواجه اليوم واحدة من أكثر مراحله تعقيدا في ظل انقسامات داخلية وانشراخات عميقة وتراجع في القدرة على تحويل الوزن الانتخابي إلى نفوذ سياسي مستقر وقد أعادت الانتخابات الإقليمية الأخيرة في أراغون شمال شرقي إسبانيا تسليط الضوء على هذه الأزمة بعدما تحول التشتت اليساري إلى عامل حاسم في إضعاف التمثيل البرلماني مقابل يمين متطرف نجح في استثمار الانقسام لمصلحته بالنسبة لكثير من المراقبين الخسارة في إقليم أراغون هي أكبر من كونها خسارة محلية إنها إنذار مبكر مما قد يحدث على نطاق وطني إذا استمر الوضع على حاله من هيمنة الاشتراكي إلى كسر الثنائية السياسية تاريخيا كان الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني بي أس أو إي القوة اليسارية التقدمية الأكثر رسوخا منذ الانتقال الديمقراطي في أواخر سبعينيات القرن الماضي قاد الحزب حكومات مفصلية وأسهم في بناء منظومة اجتماعية حديثة وكان الطرف اليساري شبه الوحيد القادر على الوصول إلى السلطة حتى مطلع العقد الثاني من الألفية غير أن الأزمة الاقتصادية عام 2008 أحدثت شرخا عميقا في الثقة السياسية في هذا السياق ظهر حزب بوديموس يسار راديكالي عام 2014 متكئا على حركة الغاضبين والاحتجاجات الاجتماعية ورافعا خطابا نقديا حادا للنخب السياسية والاقتصادية كان حزب بوديموس التعبير الأبرز عن هذا التحول فقد نجح بقيادة بابلو إغليسياس في تحويل الغضب الاجتماعي إلى مشروع سياسي منظم ودخل البرلمان بقوة في انتخابات 2015 محققا أكثر من خمسة ملايين صوت ومعلنا نهاية احتكار الحزبين الكبيرين للمشهد السياسي أي الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني وحزب اليمين الشعبي بي بي لكن هذا الصعود السريع حمل في طياته بذور الأزمة فمع انتقال بوديموس من الشارع إلى المؤسسات ثم مشاركته في الحكومة الائتلافية عام 2020 برزت تناقضات داخلية بين منطق الحركة الاحتجاجية ومتطلبات الحكم تحول التشتت اليساري إلى عامل حاسم في إضعاف التمثيل البرلماني في حديثه لـالعربي الجديد يقول الصحافي والمحلل السياسي خوان كروث إن بوديموس لم ينجح في بناء هوية مستقرة بين كونه حزبا احتجاجيا وحزبا حاكما ما جعله يفقد جزءا من قاعدته لصالح قوى يسارية أخرى ويضيف أن الصراعات القيادية والانقسامات التنظيمية ساهمت في تراجع وزنه الانتخابي بشكل ملحوظ وإلى ظهور تكتل يونيداس بوديموس الذي ضم تيار اليسار كله تقريبا أولا ثم بعد ذلك سومار الذي قدم نفسه على أنه يسار تقدمي أقل حدية استطاع أن يخاطب قواعد المجتمع ويتحدث عن مشاكلهم في السكن والعمل والمساواة وغيرها من الحقوق الاجتماعية بشكل أقرب إلى لغة الناس منه من لغة اليسار الراديكالية عموما nbsp تآلف بدأ مقسما مع تراجع فرص الحكم المنفرد دخل اليسار الإسباني مرحلة التحالفات وفي عام 2016 شكل حزب بوديموس ائتلافا انتخابيا مع قوى يسارية أخرى أبرزها اليسار الموحد آي يو تحت اسم يونيداس بوديموس ومثل هذا التحالف محاولة لتوحيد اليسار غير الاشتراكي في كتلة واحدة قادرة على منافسة الحزب الاشتراكي واليمين معا نجح يونيداس بوديموس في ترسيخ نفسه قوة برلمانية ثالثة وأصبح لاحقا الشريك الرئيسي للحزب الاشتراكي في أول حكومة ائتلافية تشكل عام 2020 حيث حصل على 35 مقعدا كانت حاسمة من أجل الائتلاف مع الحزب الاشتراكي والحصول على 167 صوتا معا في البرلمان ولكن سرعان ما كشفت تجربة الحكم التباينات العميقة داخل المعسكر اليساري فبينما تبنى الحزب الاشتراكي نهجا إصلاحيا حذرا دفع بوديموس نحو سياسات أكثر تصعيدا في ملفات سوق العمل والسكن والضرائب ما أدى إلى خلافات متكررة داخل الحكومة في هذا السياق برزت وزيرة العمل يولاندا دياز شخصية مختلفة إذ اعتمدت أسلوبا تفاوضيا وبراغماتيا مكنها من تمرير إصلاحات عمالية كبرى بدعم النقابات وأرباب العمل ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية بدأت تقدم بوصفها القادرة على إعادة ترتيب الفضاء التقدمي وتجاوز الاستقطاب الحاد داخله nbsp في هذا السياق يرى المحلل السياسي والباحث في شؤون اليسار إنريكي سانتياغو القريب من أوساط الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني أن انقسام اليسار غير الاشتراكي لا يشكل مكسبا حقيقيا للحزب الاشتراكي حتى وإن بدا ذلك انتخابيا على المدى القصير ويضيف سانتياغو في حديثه إلى العربي الجديد أن ضعف الشريك اليساري يجعل الحكومة أكثر هشاشة برلمانيا ويقلص قدرتها على تمرير إصلاحات طموحة ويدفعها للاعتماد بشكل أكبر على تفاهمات مع قوى قومية أو إقليمية لافتا إلى أن التوازن داخل المعسكر التقدمي لا يتحقق بغياب أحد أطرافه بل بوجود شريك قوي ومنظم قادر على تحمل كلفة الحكم nbsp تقدم وزيرة العمل يولاندا دياز بوصفها قادرة على إعادة ترتيب الفضاء التقدمي وتجاوز الاستقطاب الحاد داخله إشكالية تكتل سومار هكذا ولد مشروع سومار بوصفه امتدادا سياسيا لتجربة يونيداس بوديموس لكن مع محاولة واضحة لإعادة صياغة الخطاب والتنظيم استطاع المشروع ضم قوى يسارية متعددة مثل اليسار الموحد وماس مدريد وكومونيس وغيرها من الأحزاب اليسارية التي كانت جزءا من الائتلاف السابق لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام قطيعة مع أصدقاء الأمس مع بوديموس نفسه الذي رفض الذوبان داخل الصيغة الجديدة وفي انتخابات يوليو تموز 2023 حصل تحالف سومار على نحو 31 مقعدا في البرلمان فيما احتفظ بوديموس بـ10 مقاعد مستقلة بينما حصل الحزب الاشتراكي على 121 نائبا من أصل 350 هذا الانقسام البرلماني كرس عمليا وجود يسارين غير اشتراكيين متنافسين داخل المعسكر التقدمي ومنذ تلك اللحظة بات المعسكر اليساري موزعا بين شريك حكومي يسعى إلى الاستقرار والاستمرارية تمثل في سومار وقوة يسارية أخرى تفضل التموضع في موقع نقدي حتى من داخل الأغلبية البرلمانية نفسها تمثلت في بوديموس nbsp وفي هذا الإطار يربط الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد في جامعة كومبلوتنسيبمدريد خوسيه إغناسيو كوندي رويث أزمة اليسار الإسباني بالتحولات الاجتماعية العميقة التي تشهدها البلاد ويقول في حديثه إلى العربي الجديد إن جزءا واسعا من القاعدة التقليدية لليسار لم يعد يشعر بأن الخطاب السياسي الحالي يعكس مخاوفه اليومية الحقيقية خصوصا في ما يتعلق بأزمة السكن وارتفاع تكاليف المعيشة وعدم استقرار العمل مضيفا أن تعدد القوائم اليسارية لا يربك الناخب فقط بل يعزز الانطباع بأن هذه القوى منشغلة بصراعاتها الداخلية أكثر من انشغالها بتقديم حلول ملموسة أنطونيو ماييو الوحدة لم تعد خيارا أيديولوجيا بل ضرورة سياسية وفي السياق ذاته يقول المؤرخ الإسباني خوان سيسينيو بيريز غارثون مؤلف كتاب تاريخ اليسار في إسبانيا في حديثه لـالعربي الجديد إن سومار يعكس أزمة اليسار الإسباني أكثر مما يحلها إذ يجمع قوى متعددة دون أن ينجح بعد في صياغة خطاب موحد قادر على منافسة بساطة خطاب اليمين ويضيف أن الناخب اليساري بات يعاقب الانقسام أكثر مما يكافئ التنوع عدا عن أن هذا الانقسام انعكس على الأداء السياسي والانتخابي لليسار لا سيما على المستوى الإقليمي والمحلي حيث تتنافس قوى يسارية متقاربة البرامج على قواعد انتخابية محدودة ما يؤدي إلى تشتيت الأصوات وإضعاف القدرة على مواجهة اليمين المحافظ ويقدم مثالا في الانتخابات الأخيرة في أراغون حين أظهر الواقع أن مجموع أصوات اليسار المنقسم لا يترجم إلى تمثيل فعلي في حين يستفيد اليمين من وضوح قيادته وتماسك خطابه اليسار الإسباني وانتخابات أراغون جسدت انتخابات إقليم أراغون التي أقيمت في الثامن من شهر فبراير شباط الحالي هذا الواقع اليساري المنقسم بوضوح فعلى الرغم من أن مجموع أصوات اليسار في الإقليم كان كافيا لتحقيق تمثيل أوسع فإن تشتتها بين قوائم عدة أدى إلى نتائج كارثية خروج بوديموس من البرلمان الإقليمي وحصول تحالف سومار اليسار الموحد على مقعد واحد فقط في المقابل استفاد اليمين من وحدة صفوفه محققا مكاسب فاقت وزنه الحقيقي بعد مشهد أراغون المفزع بالنسبة لليسار والذي يعكس ما قد يحصل في الانتخابات العامة بدأت أربع قوى يسارية مشاركة في الحكومة العمل على إطلاق مبادرة جديدة تعرف بـتحالف اليسارات تهدف إلى بناء إطار تنسيقي دائم استعدادا لانتخابات 2027 وينظر إلى هذه الخطوة بما تتضمنه من عقد اجتماع في 21 فبراير الحالي لبحث التوافق بين تكتلات اليسار بوصفها اعترافا صريحا بأن التشتت بات يهدد قدرة اليسار الإسباني على البقاء في موقع التأثير في حديثه لـالعربي الجديد يقول منسق اليسار الموحد أنطونيو ماييو إن الوحدة لم تعد خيارا أيديولوجيا بل ضرورة سياسية محذرا من أن أي قوة ترفض الانخراط في مشروع جامع ستدفع ثمن ذلك انتخابيا ولذلك لا بد من إعادة تعريف دور اليسار الاجتماعي والسياسي في زمن لم تعد فيه إنجازات الماضي كافية لضمان ثقة ناخبي الحاضر لا شك أن اليسار الإسباني يقف اليوم أمام اختبار تاريخي فالتعددية التي كانت مصدر غنى سياسي تحولت في غياب التنسيق إلى عامل إضعاف بنيوي وبين حزب اشتراكي يقود الحكومة لكنه يفتقر إلى أغلبية مريحة ويسار غير اشتراكي متشظ يتقدم اليمين بخطاب أكثر وضوحا وتنظيما حتى وإن لم يخل بدوره من تناقضات داخلية وفي ظل صعود اليمين المتطرف ممثلا بحزب فوكس الذي نجح في فرض أجندته على النقاش العام في قضايا الهوية والهجرة والمركزية يصبح أي انقسام إضافي داخل المعسكر التقدمي مكسبا سياسيا مباشرا لمنافسيه وإذا لم تنجح محاولة إعادة ترتيب البيت الداخلي فقد يجد اليسار نفسه في انتخابات 2027 أمام مشهد سياسي مختلف جذريا عن سنوات صعوده مشهد يتسم باستقطاب حاد وتراجع في هامش المناورة وربما عودة إلى ثنائية قطبية أكثر صلابة لا تترك مجالا واسعا للتجارب الائتلافية التي ميزت العقد الماضي

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح