الوهم عدو يحجب رؤية الحقيقة ويقيد الإرادة

144 مشاهدة
في إحدى الليالي الممطرة كنت أقرأ بعض المقالات في مجلة العروة الوثقى لجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وقفت على مقال معنون بـالوهم أثار في نفسي تأملات عميقة حول هذه القوة الخفية التي تسكن عقول البشر وتوجه حياتهم وشعرت بأنني أمام مرآة تعكس جانبا من حياتنا الفردية والجماعية جانبا قلما نلتفت إليه أو نعترف به كان الوهم في نظرهم أشبه بمرض عضال يصيب الأمم والشعوب يعطل حركتها ويكبل إرادتها ويحرف بوصلتها نحو مسارات خاطئة إنه أحد أشد الأعداء غموضا وأثرا في حياة الإنسان إذ يتسلل إلى النفس خفية ويقيم مملكته في العقل من دون أن يشعر صاحبه كذلك فإنه المزيج الغريب من الحقائق المشوهة والخيالات الجامحة التي تجعل الإنسان يرى الأشياء على غير حقيقتها ويفسر الواقع بطرق تبعده عن جوهر الأمور إن الوهم ليس خطأ في الإدراك أو نقصا في المعرفة بل هو قوة قاهرة تتحكم في الإرادة وتصوغ العزيمة وفق تصورات زائفة فقد يظهر الوهم القريب بعيدا والمخيف آمنا والممكن مستحيلا فيجعل الإنسان أسيرا لعالم من التصورات الباطلة التي تحول بينه وبين تحقيق طموحاته أو تجاوز مخاوفه في تاريخ الأمم كان الوهم دائما أحد الأسباب الكامنة وراء إخفاقاتها أو استسلامها للقوى الخارجية فعلى سبيل المثال لا الحصر حينما استولى الإنكليز على أجزاء واسعة من الشرق لم يكن ذلك بقوة عسكرية جبارة أو بقدرة خارقة على التخطيط بل بمزيج من الدهاء واستغلال الأوهام التي كانت تسود عقول الشعوب الشرقية آنذاك فقد كانت تلك الشعوب تنظر إلى التكنولوجيا الغربية على أنها نوع من السحر وإلى المستعمرين على أنهم قوى لا تقهر وهكذا استعبدت أعداد غفيرة من البشر من دون مقاومة تذكر لأن الوهم طمس بصائرهم وجعلهم غير قادرين على إدراك قوتهم الذاتية إن الوهم ليس عائقا فكريا بل هو حجاب يحجب الحقيقة ويعطل الفعل فالشعوب التي تعيش في ظل الوهم تخضع لأوهام القوة عند أعدائها كما تخضع لأوهام الضعف في ذاتها فهو يشبه المرآة المشوهة التي تظهر الصغير كبيرا والكبير صغيرا إنه يجعل الأمم ترى عدوها أقوى مما هو عليه وترى نفسها أضعف مما يمكن أن تكون وهذا هو السبب الذي جعل الإمبراطوريات الاستعمارية تستمر لفترات طويلة رغم ضعفها الذاتي واعتمادها على الجيوش الصغيرة وكان الوهم كافيا لإبقاء الشعوب تحت السيطرة من دون حاجة إلى إنفاق الموارد أو التضحية بالأرواح الشعوب التي تعيش في ظل الوهم تخضع لأوهام القوة عند أعدائها كما تخضع لأوهام الضعف في ذاتها كذلك فإن الوهم لا يقتصر على الأفراد أو الشعوب بل يمتد إلى الأمم المتقدمة التي قد تخضع له هي الأخرى بطرق مختلفة فالإنكليز أنفسهم الذين نشروا الوهم بين الشعوب التي استعمروا أراضيها كانوا يعيشون في قبة وهمية صنعوها لأنفسهم كانوا يصورون أنفسهم على أنهم أقوياء في كل مكان وأن إمبراطوريتهم لن تغيب عنها الشمس ولكن الحقيقة أن هذه القوة كانت هشة وقائمة على أوهام الشعوب التي استعمروها أكثر مما كانت قائمة على واقع مادي ملموس ففي اللحظة التي تبدأ فيها الشعوب المتحررة من الوهم برؤية الواقع على حقيقته تسقط القلاع الوهمية التي بنيت عليها الإمبراطوريات الإمبريالية عندما ننظر إلى الحاضر نجد أن الوهم لا يزال حاضرا في مختلف جوانب الحياة متغلغلا في تفاصيلها اليومية والسياسية والاقتصادية وحتى الشخصية ففي السياسة تتلاعب الأنظمة بأدوات الإعلام والدعاية لتبني صورا زائفة عن قوتها ومنعتها مقنعة شعوبها بأنها قلاع حصينة لا تهزم وأنها دروع تحميهم من أعداء قد لا يكون لهم وجود حقيقي هذه الأوهام تصنع حالة من الخوف والتبعية حيث تظل الشعوب معلقة بخيوط الخلاص الوهمية التي تلوح بها تلك الأنظمة وفي الاقتصاد يبدو الوهم أشد ضراوة إذ يقنع الناس بأن الأسواق التي تعتمد على المضاربات الرقمية والصفقات الوهمية هي الأساس الوحيد للثروة في حين أن هذه الأنظمة الهشة قد تنهار في لحظة مخلفة وراءها خسائر فادحة وفي الحياة الشخصية نجد أن الأفراد يعيشون داخل عوالم من الأوهام التي تعيد تشكيل طموحاتهم ومخاوفهم فيطاردون أهدافا مبنية على تصورات زائفة أو يحجمون عن اتخاذ خطوات جريئة بسبب مخاوف من أخطار لا وجود لها إلا في أذهانهم هذه الأوهام سواء كانت صغيرة أو كبيرة تثقل كاهل الإنسان وتحرمه مواجهة الواقع بشجاعة لتتركه في دائرة مغلقة من التردد والعجز الحقيقة قد تكون صعبة لكنها الطريق الوحيد إلى الحرية الحقيقية إن التخلص من الوهم ليس أمرا سهلا فهو يتطلب شجاعة لرؤية الواقع كما هو وقوة لمواجهة الحقائق مهما كانت مريرة وأول خطوة لتحرير النفس من الوهم هي الاعتراف بوجوده ثم العمل على تقويضه من خلال العلم والمعرفة والتجربة فالعقل الذي يغذى بالعلم والمعرفة يكون أقل عرضة للوهم لأنه يمتلك الأدوات اللازمة لتفسير الواقع بشكل صحيح لكن المشكلة الكبرى أن الوهم غالبا ما يكون مريحا حيث يوفر للإنسان ملاذا نفسيا للهروب من مواجهة الحقيقة فكثيرا ما يفضل الناس العيش في ظل الوهم لأن الحقيقة قد تكون مؤلمة أو مرهقة ولهذا السبب فإن محاربة الوهم تتطلب ليس فقط الإدراك العقلي بل أيضا الإرادة القوية للوقوف في وجه المألوف والمريح ومن ثمة فالشعوب التي ترغب في التحرر الحقيقي تحتاج إلى ثورة على الأوهام التي تعوقها هذه الثورة ليست سياسية أو عسكرية بل هي ثورة فكرية تبدأ في عقول الأفراد وتتسع لتشمل المجتمع بأسره عندما تتحرر العقول من أوهام القوة والضعف من أوهام الاستحالة واليقين الزائف تبدأ الشعوب في رؤية إمكاناتها الحقيقية وتكتشف الطرق التي يمكن أن تسلكها لتحقيق استقلالها ونهوضها في الأخير نختم بمقالة رواد النهضة الأفغاني ومحمد عبده ألا قاتل الله الوهم الوهم طورا يكون مرآة المزعجات مجلي المفزعات وطورا يكون ممثلا للمسرات حاكيا للمنعشات وهو في جميع أطواره حجاب الحقيقة غشاء على عين البصيرة لكن له سلطان على الإرادة وحكم على العزيمة فهو مجلبة الشر ومنفاة الخير وهكذا فإن إدراك الواقع هو السبيل الوحيد للتخلص من قيود الوهم سواء كان هذا الوهم متعلقا بالفرد أو المجتمع أو العلاقات بين الأمم فالحقيقة قد تكون صعبة لكنها الطريق الوحيد إلى الحرية الحقيقية ولكي نحيا بكرامة ووعي وعزة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح