الوجه الآخر للمصادفة

يمنات
عدنان الدوسري*
كانت دبي في تلك الليلة تهمس بأسرارها للمساء، وتسكب أضواءها على صفحة الماء كرسائل عشق ضلت طريقها إلى القلوب. وتحت برج خليفة، حيث تتعانق الموسيقى مع رقصات النوافير، كان الهواء مشبعا بعطر غامض، كأن المدينة تتهيأ لكتابة حكاية لم تخطر على بال أحد.كان المساء قد تجاوز ساعته التاسعة، والجموع تتدفق في الساحة الواسعة، تتقاطع خطواتها وتتشابك ضحكاتها، فيما كنت أقف عند حافة النافورة، أراقب الماء وهو يرتفع ثم يتهاوى، وأتساءل في سري: كم يشبه هذا الماء أحلامنا، ترتفع في لحظة نشوة، ثم تعود إلى الأرض مثقلة بجاذبية الواقع؟
لم أكن أبحث عن أحد. جئت إلى المكان هاربا من صخب الأيام، أحاول أن أستعيد شيئا من نفسي التي بعثرتها الغربة، وأن أمنح قلبي المتعب هدنة قصيرة من ذاكرة لم تبرأ تماما من جراحها.لكن بعض اللقاءات لا تحتاج إلى موعد، وبعض العيون تعرف كيف تعترض طريق الروح قبل أن تعترض طريق الجسد.رأيتها على مسافة خطوات.امرأة تقف غير بعيد عني، تتأملني بنظرات لم أستطع تفسيرها. لم تكن تحدق بفضول الغرباء، ولا تنظر بإعجاب مألوف. كان في عينيها شيء يشبه الدهشة المؤجلة، كأنها عثرت مصادفة على وجه ظلت تبحث عنه في زحام الذاكرة.كلما التقت نظراتنا أشاحت بوجهها، ثم عادت تنظر إلي بشيء من التردد، وكثير من البوح الصامت. حاولت تجاهل الأمر، غير أن عينيها كانتا تستدرجان فضولي، وتوقظان في داخلي إحساسا غريبا بأن بيننا معرفة لم تحدث بعد.تقدمت نحوها بخطوات مترددة، وقلت مبتسما:
ـ عذرا سيدتي، هل سبق أن التقينا؟
ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، بدت كأنها كانت تنتظر السؤال منذ زمن.
ـ وكيف لا أعرفك؟ ألست أنت ضمن مجموعة(……….) واتساب تجمعنا؟
تأملتها بدهشة، وقلت:
ـ كيف عرفتني؟
قالت وهي تنظر إلى وجهي كمن يقارن بين صورة احتفظ بها طويلا وحقيقة تقف أمامه:
ـ من صورتك أولا، ومن كلماتك قبل ذلك. أتابع ما تكتب بشغف، وأقرأ نصوصك عن الغربة والحنين والحب. أحيانا أشعر أنك تكتب عن أشياء أخفيها في داخلي، وكأنك
ارسال الخبر الى: