الموسيقى المستقلة في مصر غناء في لحظة عابرة

38 مشاهدة
بينما تحل الذكرى الـ15 لثورة 25 يناير المصرية تلك اللحظة التي لم تحدث انقلابا سياسيا فقط بل فتحت أيضا الباب لانفجار موسيقي بدا في حينه كأنه إعلان ولادة جيل كامل خارج قواعد الصناعة التقليدية يصبح من المغري أن نستعيد مشهد الموسيقى المستقلة من زاوية الحنين لكن هذا الاستدعاء العاطفي الذي امتد لسنوات بعد الثورة قد يحجب أكثر مما يكشف لهذا نعود هنا إلى مفهوم الموسيقى المستقلة في مصر بعيدا عن رومانسية المرحلة محاولين قراءة التحولات التي مرت بها الفرق والمشروعات التي وضعت تحت هذا العنوان كيف بدأت قبل 2011 بوصفها جمهورا يبحث بنفسه عن صوته وكيف بلغت ذروتها مع لحظة الثورة ثم كيف تراجعت لاحقا ليس لأنها فشلت بالمعنى المباشر بل لأنها دخلت في صدام مع سوق تغير سريعا ومع جمهور صار يبحث عن موسيقى أسرع وأخف وأكثر قابلية للاستهلاك عبر المنصات لنبدأ من نقطة تبدو بديهية لكنها ضرورية مصطلح الموسيقى المستقلة في مصر لم يكن في أي وقت تعريفا محسوما أو ثابتا في الغالب كان يشير إلى أي إنتاج لا يعمل داخل ماكينة الصناعة التجارية المعتادة حتى لو لم يتضمن موسيقيا تمردا حقيقيا هذه الفكرة مهمة كي لا ننحاز بالحماسة إلى قصة قد تبدو أكبر مما كانت عليه فعليا قبل عام 2011 في زمن سابق على هيمنة الهواتف الذكية كان من يستمع إلى الفرق المستقلة غالبا يبحث عنها بنفسه لم تكن الموسيقى تصل إلى الناس بسهولة ولم تكن الخوارزميات قد قررت بعد ما يجب أن يسمعه الجمهور المنتديات والمدونات وتبادل ملفات الـMP3 عبر ذاكرة فلاش أو قرص صلب بل حتى أشرطة الكاسيت كانت تصنع علاقة شخصية بين المستمع والموسيقى علاقة لا تقوم على النجومية بل على الاكتشاف هكذا تشكل جمهور صغير لكنه واع وغير معني بالضرورة بفكرة النجاح الجماهيري في هذا السياق بدت فرقة وسط البلد أول من فهم المعادلة صوتها وكلماتها كانا مختلفين عن السائد آنذاك أغان تدور في معظمها حول علاقة بين رجل وامرأة حب متبادل أو من طرف واحد ثم انفصال ثم تفصيل أسباب انهيار العلاقة وأحيانا بنبرة تقترب من الردح كانت تلك إلى حد كبير علاقة الجمهور بالأغنية المصرية لحن جميل وتوزيع متقن وكلمات لا يجد فيها المراهق أو الشاب شيئا يخصه لأن لا أحد في الرابعة عشرة أو الثامنة عشرة يمتلك مخزون صدمات عاطفية لشخص تجاوز الستين على الأقل لم تخترع وسط البلد شيئا من العدم لكنها قدمت ترجمة مصرية لما كان يحدث في الخارج إندي فولك غربي مع لمسة روك خفيفة وكلام يشبه ما يقال يوميا إنصافا يمكن القول إن الفرقة مدينة بوضوح لتجارب محمد منير في الثمانينيات والتسعينيات ولأغنية سياسية خفيفة لا تصرخ لكنها تقول شيئا الجديد لم يكن الجوهر بل تقديم هذا الصوت لجيل أصغر وفي وقت احتاج فيه ذلك الجيل إلى أن يسمع نفسه ويرى صورته في حفل يمكنه دفع ثمنه وفي أماكن أقرب إليه في الوقت نفسه كانت إسكندريلا تسير في خط مختلف تماما لم تكن تجريبية موسيقيا بقدر ما كانت امتدادا منظما لخط الشيخ إمام بصوت جماعي ومنضبط ما جعلها أكثر فرق المشهد أدلجة تأثيرها كان مهما لكنه محدود لأنها خاطبت جمهورا لديه استعداد للاستماع إلى الشعر المغنى أكثر من رغبة في الترفيه حفلاتها كانت أقرب إلى مظاهرة فنية تشبه تلك التي كان الأهل يروونها عن فترة السبعينيات حين كانت الجامعة مساحة للغناء السياسي مثلما هي مساحة للاحتجاج أما بلاك تيما فكانت حالة خاصة ليست مستقلة بمعنى الابتعاد عن السوق لكنها كانت خارج التصنيف مشروعها يقوم على تراث نوبي وأفريقي متأثر بالجاز والفانك وقريب في الروح من فرق أفريقية أكثر مما هو قريب من فرق الروك ولهذا ظلت موجودة دائما لكن من دون أن تكون في قلب أي موجة جمهورها المخلص كان كثيرا ما يأتي من المغتربين والمهاجرين الذين يعيشون في مصر وفي مسار أكثر فردية قدم ياسر المناوهلي مشروعا لم يحظ بتأثير جماهيري لكنه ترك أثرا في كثير ممن جاؤوا بعده خصوصا في فكرة أن الصوت لا يحتاج أن يكون جميلا لكي يكون صادقا غير أن تجربته لم تستمر تقريبا مع غياب المنصة التي كانت تمنحه مساحة ظهور بعد الثورة وفي الإسكندرية أيضا ظهرت مسار إجباري التي تأسست عام 2005 متأثرة بوضوح بالروك البديل الغربي بينك فلويد بيرل جام وبالتجارب العربية التي استخدمت الروك قالبا المختلف عندها كان أن الكلمات اجتماعية مباشرة أشبه بصحافة مغناة ما جعلها أقرب إلى جمهور يريد خطابا واضحا وليس شعرا غائما يتأمل من فوق السحابة اللحظة التي دفعت عددا كبيرا من الفرق المستقلة إلى العلن كانت فيلم ميكروفون للمخرج أحمد عبد الله عام 2010 الفيلم لم يصنع المشهد لكنه كشفه فجأة رأى الناس أن هناك فرقا كثيرة تتحرك في الاتجاه نفسه حتى من دون تنسيق وكانت تلك أول مرة يقال فيها مصطلح المشهد المستقل بصوت مرتفع ثم جاء عام 2011 فانفجر كل شيء كايروكي كانت الفرقة الأكثر جاهزية لتلك اللحظة أغنية صوت الحرية أصبحت أغنية الثورة على معظم المحطات المصرية المستقلة والحكومية بعدما غيرت توجهها وصارت ترفع شعار صوت الشباب كايروكي كانت في المكان الصحيح وفي الوقت الصحيح الأغنية امتداد طبيعي للأغاني الاحتجاجية العالمية من بوب ديلان إلى U2 لكن باللهجة المصرية ووجود هاني عادل مع الفرقة كان رابطا ذكيا بين القديم والجديد كايروكي أيضا فهمت مبكرا أن الروك وحده لن يضمن انتشارا جماهيريا أوسع لذلك كانت تحركاتها التالية قراءة واقعية للسوق التعاون مع عبد الباسط حمودة وطارق الشيخ كان اعترافا بأن الشعبي هو موسيقى الشارع الحقيقية وأن الروك الذي بدؤوا منه يجب أن يتعلم من هذا الصوت أو يتحرك نحوه أغنية الكيف كانت محاولة واضحة من أمير عيد للغناء الشعبي لم تكن تجربته الأولى سبقتها البكابورت لكنها كانت أول تجربة ناضجة لفهم الشعبي بالتعاون مع طارق الشيخ الأغنية نجحت وصارت عابرة للطبقات من سائقي الميكروباصات إلى شباب الجامعات الذين لا يعرفون قول صباح الخير بالعربية في الوقت نفسه كانت دينا الوديدي ومريم صالح تكملان خطا مختلفا الاثنتان متأثرتان بالتراث وبالموال وبالأغنية الشرقية القديمة لكن كل واحدة في اتجاه دينا كانت أهدأ وأقرب إلى الذائقة العامة وعرفت كيف تتعاون مع فنانين مختلفين مثل محمد منير وتكون صوتا موجودا في مساحات فنية متعددة حتى إنها جربت إنتاج ألبوم كامل من تأليفها وتوزيعها بعنوان المنام في المقابل مريم كانت أحد متأثرة بتجارب الشيخ إمام ونينا هاغن في الوقت نفسه وهذا كما يرى بعضهم لا يوسع مساحة وصولها إلى جمهور أكبر وربما لا يكون ذلك للأسف بقدر ما هو رغبة منها في أن تبقى تجربة أكثر خصوصية في منطقة رمادية أيضا كان محمد محسن وأدهم سليمان ليسا مستقلين بالكامل ولا تجاريين بالكامل تأثيرهما أنهما قدما نسخة مقبولة من المستقل لجمهور أوسع لكن هذا خفف حدة التجربة وجعلهما غير قادرين على الاندماج مع الفنانين المستقلين الآخرين وبمرور الوقت صارا أقرب إلى نسخ مقلدة من فنانين مصريين كلاسيكيين في التسعينيات ولم ينجحا في الاستمرار حين تطورت السوق كما هي عادتها دائما بعد عام 2016 ظهرت الحقيقة المؤلمة الموسيقى المستقلة تعرت اتضح أن جزءا كبيرا منها كان معتمدا على لحظة سياسية أكثر من كونه مشروعا موسيقيا طويل النفس في الوقت الذي كان فيه الراب والمهرجانات يتعلمان بسرعة ويطوران أدواتهما ظلت فرق كثيرة في مكانها تغني الكلام ذاته بالتوزيع ذاته وتنتظر جمهورا كان قد تحرك بالفعل وصار يبحث عن محتوى سهل الوصول قليل التفاصيل كلام يقوله صوت لا يحتاج أن يكون مطربا بالمعنى التقليدي وتوزيع يساعد على وصول ذلك الكلام إلى الناس بسرعة الراب لم يربح فقط بل فضح بطء الفرق مشروع مثل ويجز أو مروان بابلو بني على فكرة الاستقلال نفسها لكن بأدوات أقل وعدد موسيقيين أقل صار بإمكان الرابر أن يشتري أو يصنع Beat بنفسه ويسجل ثم ينشر على كل المنصات وهنا خرج سؤال محرج هل المشكلة كانت في السوق أم في خيال الفرق أم في تكاليف إنتاج الألبومات التي ارتفعت كثيرا حتى باتت تنافس الجودة التي يقدمها مغنو البوب اليوم لم يعد هناك مشهد لفرق مستقلة كما عرفناه هناك فرق قليلة لا تزال موجودة ومشاريع فردية وتجارب إلكترونية متأثرة بكل شيء من أم كلثوم إلى فرانك أوشن الاستقلال صار حالة شخصية أكثر منه حركة جماعية الهدف لم يعد تنظيم حفلات يحضرها آلاف بل الوصول افتراضيا سبوتيفاي ويوتيوب هما مقياس النجاح الجديد وإن نظرنا إلى أنجح عشر أغان على منصة سبوتيفاي في مصر فلن نجد فيها أغنية واحدة لأي فرقة من التي ذكرناها على العكس الأغنية الأولى في إحدى اللحظات كانت لعمرو مصطفى وزياد ظاظا مزيج يجمع بين الرجل الذي كان قبل 15 عاما رمزا لصناعة البوب التجاري وبين مغني ميم راب كأن السوق تقول إن ما كان يسمى بحثا عن فن مستقل انقلب إلى معادلة جديدة تماما اللحظة الحالية تبدو لحظة حنين إلى فترة التسعينيات وأوائل الألفية الثانية حتى إن هناك محاولات لتقليدها حرفيا مثل تجربة توليت الحالية التي يمكن اعتبارها إعادة تدوير لأغاني تلك المرحلة ما يمكن قوله بثقة إن الفرق المستقلة في مصر لم تفشل لكنها صارت لا تشبه شكل حياة جمهورها ولا تتكلم لغته ولا تشاركه الإيقاع الذي صار يعيش عليه من كان لديه مشروع حقيقي استمر حتى لو بهدوء ومن كان يعتمد على لحظة سياسية عابرة اختفى بزوالها قد يكون هذا طبيعيا وقد تكون هذه دورة أي مشهد لكن المؤكد أن الموسيقى المستقلة التي عرفناها انتهت وإن عادت يوما فستعود مختلفة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح