طروس المنفى لبشرى أخنافو التراكم والمحو في اللوحة
تلعب المادة دوراً محورياً في بناء تجربة الفنانة التشكيلية المغربية بشرى أخنافو، بوصفها حاملاً دلالياً يشكّل جوهر العمل التشكيلي. فالقماش، الورق، والأقمشة البالية، ومن بينها نسيج الحايك البجعدي (نسبة إلى مدينة أبي الجعد وسط المغرب)، المحمّل برموز الهوية والذاكرة الشعبية تحضر بخصائصها الفيزيائية والبصرية والروحية. ملمس المادّة، لونها، وأثرها الزمني تحتفظ بقدر من المقاومة دون تلاشيها داخل التكوين، كأنها ترفض الامّحاء الكامل في الصخب اللوني. هكذا تتحوّل اللوحة إلى مساحة توتر بين العنيف والهشّ، بين الجسد المتجسّد في ضربات الفرشاة الحادّة، والذاكرة المتجسّدة في مادة تحمل عبق تاريخها الخاص.
يعكس معرضها طروس المنفى الذي يستمر بمؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج بالرباط حتى الثامن عشر من الشهر الجاري، اشتغالاً واعياً على اللون والمادة والفراغ، ضمن رؤية ترى في اللوحة حدثاً بصرياً قائماً بذاته.
منذ الوهلة الأولى، يبدو أن أعمال أخنافو تنتمي إلى مناخ بصري واحد، حيث تتكثف الألوان في انفجارات وتتراكم الطبقات، وتتقاطع المساحات بين الإضمار والكشف. غير أن هذا البُعد السطحي يُخفي اختلافات دقيقة في المنطق الداخلي لكل عمل، كما في الطريقة التي تُصاغ بها العلاقات بين عناصره، بما يجعل المعرض أقرب إلى تنويعات متعددة على سؤال بصري واحد يتعلّق بالهوية، والذاكرة، والزمن.
يُطرح اللون في الأعمال المعروضة بوصفه لغة تعبيرية كثيفة، فالألوان الدافئة (الأحمر، البرتقالي، الأصفر) تندفع بحركة واضحة، بينما تدخل الألوان الداكنة أو الباردة (الأزرق، البنفسجي، الأسود) بما هي قوى مضادّة تمتصّ هذا الاندفاع أو تعيد توجيهه وتحقق توازنه في الفضاء. لا يهيمن لون على آخر، بل ينشأ بينهما حوار بصري مشحون، أقرب إلى تفاوض دائم بين حالات شعورية متباينة. توتر يمنح اللوحة نبضها الداخلي، ويدفع العين إلى حركة وتأمل مستمرين، في تجاوز صريح لفكرة الجمال القائم على التطابق والانسجام السهل.
من حيث العرض، يعتمد المعرض على تنظيم شبكي صارم، تتجاور فيه الأعمال داخل إطارات سوداء متشابهة، ما يفرض انضباطاً شكلياً خارجياً يقابل تلك الفوضى الداخلية. تناقض بين انتظام العرض
ارسال الخبر الى: