بين المعرفة والإلغاء

18 مشاهدة

لم يكن عالم الاجتماع كلود ليفي شتراوس، في كتابه الفكر البري، يدافع عن الأسطورة بوصفها نقيضاً للعقل أو حنيناً رومانسياً إلى الماضي، بل كان يفكك ادّعاء الحداثة احتكار العقلانية. فالتفكير، كما يبيّن، لا يحتاج إلى مختبر ولا إلى دولة كي يكون عقلانياً؛ إنه يعمل داخل بنى رمزية تنظّم المعنى والعلاقة بالجسد والطبيعة والموت. يلتقي هذا التفكيك مع مشروع ميشيل فوكو، الذي لم يفهم الحقيقة كتطابق مع الواقع، بل كأثر للخطاب، أي كنتيجة لشروط مؤسّسية تحدّد من يملك حقّ إنتاجها، وما الذي يمكن التفكير فيه أصلاً. من هنا، لا يعود الفرق بين التفكير البري والتفكير الحديث فرقاً في مستوى العقل، بل في درجة تسليح المعرفة بالمؤسسة.

غير أنّ هذا التحليل يبلغ حدوده القصوى حين يُطبَّق على سياق الاستعمار الاستيطاني. فهنا لا يعمل الخطاب بوصفه جهاز ضبط وتنظيم للحياة فقط، بل كأداة لإدارة وجود يُفترض أنّه مؤقّت. المعرفة لا تُنتج ذاتاً مُنضبطة فحسب، بل تُعيد تعريف السكان الأصليين بوصفهم فائضاً ديمغرافياً، قابلاً للإزالة أو الإحلال. في هذا السياق، لا يكون الإحصاء مجرّد تقنية عدّ، ولا الخريطة أداة تمثيل مُحايدة؛ بل ممارسات تُعيد تخييل الأرض نفسها كفراغ سياسي قابل لإعادة التسمية، وتفصل بين الأرض كحيّز مادي، والأرض كحقّ تاريخي قابل للاستمرار.

في فلسطين، يتجسّد هذا الصراع المعرفي بأقصى درجاته. فالاستعمار الاستيطاني لا يسيطر على الأرض فقط، بل يحتكر الخطاب: يسمّي الأشياء، يُعيد تعريف الواقع، وينتج الفلسطيني بوصفه ملفاً أمنياً أو حالة إدارية قابلة للضبط. غير أنّ جوهر هذا الخطاب لا يكمن في الإدارة وحدها، بل في منطق إحلالي يعمل على تقليص شروط الاستمرارية الفلسطينية، وتحويل الوجود إلى بقاء مشروط داخل أفق لا يعترف بحقّ الفلسطيني في المستقبل.

المعرفة لا تُنتج ذاتاً مُنضبطة فحسب، بل تُعيد تعريف السكان الأصليين بوصفهم فائضاً ديمغرافياً، قابلاً للإزالة أو الإحلال

في مواجهة هذا الخطاب المُسلّح بالمؤسسة، تستمر أشكال من المعرفة الفلسطينية يمكن تسميتها (مع ليفي شتراوس) بالتفكير أو الفكر البري: معرفة لا تمرّ عبر الأرشيف الرسمي، بل تُؤدّى

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح