المسار السليم لإعادة إعمار يمن ما بعد الحرب

59 مشاهدة
يواجه اليمن منذ عقود أزمة شح الموارد المالية مما يجعل الحكومة عاجزة ماليا عن تمويل مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية وخاصة في قطاعات البنية التحتية الطرق المطارات الموانئ الكهرباء المياه الاتصالات شأنه في ذلك شأن العديد من الدول النامية إلا أن بعضا من تلك الدول استطاع التغلب على تلك التحديات من خلال تعزيز الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص بهدف التعاون لبناء مشاريع تنموية مشتركة في قطاعات البنية التحتية تخدم عامة المواطنين وتعود بالنفع على كل من الحكومات ومؤسسات القطاع الخاص وأصبح هذا النموذج سائدا في العديد من الدول مثل تركيا مطار اسطنبول أو الأردن مطار عمان والأمثلة على ذلك كثيرة وفي اليمن منذ عقد الستينيات من القرن الماضي مرت العلاقة بين القطاعين العام والخاص بتحولات إيجابية وسلبية في الشطرين قبل الوحدة ففي الشطر الشمالي ساد نوع من التوافق بين القطاع العام والقطاع الخاص حيث تكفلت الحكومات بعد ثورة 26 سبتمبر أيلول 1962 بإنشاء مؤسسات القطاع العام في عدد من المجالات النفط والغاز البنية التحتية الزراعة الصناعة التجارة وغيرها وفسح المجال للقطاع الخاص كي يتوسع ويزدهر في التجارة والصناعة والزراعة والخدمات وكفلت الدولة الحقوق كافة للقطاع الخاص من خلال الدساتير والقوانين المنظمة للأنشطة الاقتصادية والتجارية وفي الشطر الجنوبي كان القطاع الخاص قبل الاستقلال عن الاستعمار البريطاني في عام 1967 يتمتع بمساحة واسعة من العمل في معظم الأنشطة الاقتصادية والتجارية والخدمية إلا أن ذلك تغير بشكل كبير بعد الاستقلال حيث تبنت الحكومات النهج الاشتراكي وأصدرت قوانين التأميم للملكيات الخاصة وأنشأت المؤسسات العامة لإدارة الاقتصاد وعملت على إقصاء القطاع الخاص من تملك أي مشاريع اقتصادية أو تجارية أو خدمية وكان لذلك عواقب وخيمة على التنمية وعلى فرص العمل ومستوى معيشة الناس ومع إعادة تحقيق الوحدة بين الشطرين في عام 1990 أعطي القطاع الخاص دورا رياديا في ممارسة الأنشطة الاقتصادية والتجارية والخدمية وقامت الحكومة بمراجعة سياساتها تجاه العديد من مؤسسات القطاع العام فقد تبنت الحكومة في عام 1995 برنامجا للإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي بالتنسيق مع كل من البنك والصندوق الدوليين وكان أحد مكوناته برنامج الخصخصة للعديد من الشركات العامة وإعادة تعريف دور الحكومة باعتبارها ميسرا ومنظما للأنشطة الاقتصادية والتجارية والخدمية وفتحت المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار في قطاعات كانت حكرا على الدولة مثل التعليم والصحة والاتصالات والكهرباء ورغم ذلك ظلت مساهمات القطاع الخاص الوطني محدودة جدا في الاستثمار في مشاريع طويلة الأجل في قطاعات البنية التحتية نظرا لعدم قدرته على حشد موارد مالية كافية تؤهله للشراكة مع القطاع العام لتنفيذ تلك المشاريع وأيضا لعدم وجود إطار تشريعي وقانوني ينظم الشراكة بين القطاعين العام والخاص ولمعالجة هذا الأمر جرى التعاون بين الحكومة ومؤسسة التمويل الدولية لإعداد قانون الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص الذي أقرته الحكومة في عام 2014 وأرسلته إلى مجلس النواب لإقراره إلا أن الحرب اندلعت في تلك الأثناء وتعثر صدور القانون إلى الوقت الحاضر وبشكل عام هناك أمثلة محدودة للشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص في اليمن تتمثل في الاستثمارات الأجنبية في قطاعي النفط والغاز والطيران وكذا في استثمارات مختلطة في قطاع الاتصالات والصناعة والبنوك وتظل هذه النماذج متواضعة أمام احتياجات اليمن من الاستثمارات لإعادة إعمار ما دمرته الحرب ولإحداث نقلة نوعية في التعافي الاقتصادي وتوليد فرص العمل ويلاحظ أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص أثناء فترة الحرب لأكثر من عشر سنوات تحولت إلى مشاجرة وابتزاز وانعدمت الثقة بين الطرفين فالقطاع الخاص يواجه تحديات جمة تعوقه عن القيام بتنفيذ وإدارة مشاريعه في مختلف المجالات فقد أصبحت البيئة طاردة للاستثمار في كل من مناطق صنعاء وعدن وأدت إلى هروب رأس المال الوطني للاستثمار في الدول المجاورة وفي بلدان أخرى تقدم حوافز جاذبة للاستثمار الأجنبي ولذلك فإن استحقاقات الاستثمار لفترة ما بعد الحرب تتطلب موارد مالية هائلة وفي ظل عجز الحكومة عن توفير تلك الموارد وانعدام فرص الحصول على قروض ومساعدات لتمويل مشاريع البنية التحتية وإن توفرت بشكل متواضع فهي تثقل كاهل الحكومة بالديون وأعبائها فإنه لا بد من فتح المجال للشراكة بين القطاعين العام والخاص المحلي والأجنبي للاستثمار في قطاعات البنية التحتية وفقا للنماذج التالية نموذج أ بناء تشغيل تحويل مثل الاستثمار في المطارات والموانئ والطرقات في قطاعات النفط والغاز والمعادن ونموذج ب بناء تملك تشغيل مثل الاستثمار في الكهرباء والاتصالات والشراكة لا تقتصر على الاستثمارات المشتركة بين القطاعين العام والخاص بل تمتد إلى تحمل الحكومة باعتبارها مالكة القطاع العام مسؤولية إيجاد بيئة مناسبة وحاضنة لجذب الاستثمارات الخاصة المحلية والأجنبية طويلة الأجل في قطاعات البنية التحتية وغيرها من القطاعات وهذا يتطلب توفر العديد من العوامل أهمها 1 الاستقرار السياسي وتوافق المجتمع على وسائل ملائمة لاستمرار قيام أجهزة الدولة بوظائفها دون أي تهديدات محتملة مثل الانقلابات والحروب والاضطرابات الداخلية وغيرها 2 مجموعة القوانين واللوائح المنظمة للاستثمارات الوطنية والأجنبية والمساعدة في حماية حقوق المستثمر بعيدا عن التعقيدات والمزاجية والارتجالية وضمان تحقيق العدالة وتقليل المخاطر 3 وجود جهاز تمويل مالي ومصرفي فعال له القدرة على حشد الموارد من المدخرين وتقديم القروض لتمويل مشاريع المستثمرين في مختلف القطاعات 4 سلامة أداء أجهزة النظام القضائي والمحاكم والبت في القضايا وفقا للقانون الوطني وبما لا يتعارض مع القوانين الدولية ويعزز مبادئ النزاهة والشفافية وبعيدا عن التدخلات والمحسوبية 5 السياسات الاقتصادية والإدارية الهادفة إلى تحقيق الاستقرار النقدي والمالي والحد من التضخم وتقلبات سعر الصرف ومعدل الفائدة وتبسيط الإجراءات الإدارية والحد من مظاهر الفساد بهدف تسهيل مهمة المستثمرين وحماية ممتلكاتهم وعدم تعرضها للمخاطر والضياع 6 سلامة أداء الأجهزة الأمنية لإنفاذ القانون وحماية المستثمر في ماله ونفسه وعدم تعرضه للابتزاز والاستغلال المخالف للتشريعات والقوانين من أي جهة كانت وفي ظل الظروف الراهنة فإن متطلبات الشراكة المشار إليها سلفا ليست متوفرة وهنا يتحتم على كل من سلطتي صنعاء وعدن البدء الفوري بترميم العلاقة وإعادة الثقة مع القطاع الخاص ومراجعة السياسات الضريبية والجمركية والحد من الجبايات المجحفة على المستثمر الوطني ووضع الحوافز اللازمة لضمان عودة المستثمر المهاجر للعمل في الداخل اليمني وهذا سيعطي إشارة إيجابية للقطاع الخاص المحلي والأجنبي للدخول في شراكة مستدامة مع القطاع العام وخاصة في بعض القطاعات الواعدة مثل قطاع الطاقة النفط والغاز والكهرباء وفي قطاع الاتصالات فهذه القطاعات مجدية اقتصاديا والحاجة ماسة للاستثمار فيها في الأجلين المتوسط والبعيد

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح