المساءلة القضائية في اليوم المهيب أمانة القضاء ومسؤولية العدالة أمام الله كتب القاضي أنيس جمعان

المقدمة: العدالة بين السماء والأرض
تُعد العدالة حجر الزاوية في قيام الدول واستقرار المجتمعات، وهي الغاية التي من أجلها شُرعت القوانين، وأُنشئت المحاكم، وأُنيطت السلطة بالقضاة. غير أَنَّ العدالة في بعدها الحقيقي لا تقف عند حدود التطبيق الشكلي للنصوص، بل تمتد إلى عمقٍ أخلاقي وروحي يجعل من القاضي مسؤولاً عن كل حكم يصدره، ليس فقط أمام القانون، بل أمام اللَّه سبحانه وتعالى.
العدالة ليست مجرد إجراءات قانونية تُمارس في قاعات المحاكم، ولا هي حكر على نصوص تدرس في كليات الحقوق. العدالة في جوهرها أمانة عظمى، ائتمن اللَّه عليها الإنسان، ثم جعل القضاء ذروة سنامها. فالقاضي ليس موظفاً عادياً، بل هو نائب عن الشرع، وحامٍ للحقوق، وميزان يخشى أنْ يميل.
وبينما ينظم القانون الوضعي آليات التقاضي ودرجات الطعن، يبقى السؤال الأعمق: من يراقب القاضي؟ ومن يحاسبه إذا أخطأ أو جار؟ هنا يأتي دور الدين، ليؤسس لأعلى درجات الرقابة: رقابة الضمير المستحضر للوقوف بين يدي اللَّه يوم القيامة، في مشهد مهيب تتصاف فيه النفوس، وتنكشف فيه السرائر.
وفي هذا السياق، تبرز بعض الوقائع والرؤى ذات الطابع التوعوي، التي تُعيد تشكيل الوعي القانوني، وتُذكّر بأن السلطة القضائية ليست امتيازاً بقدر ما هي أمانة ثقيلة. ومن أبرز هذه الوقائع، رؤيا قاضٍ شهد مشهداً مهيباً ليوم القيامة وترك القضاء، تحوّلت إلى مدخلٍ لتحليل قانوني عميق حول طبيعة المسؤولية القضائية وحدودها.
هذا المقال يقدم رؤية توعوية للقضاة وكل من أوكلت إليه ولاية، مستلهماً من رؤيا منامية واقعية، ومؤصلاً بالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية، ثم يستخلص خلاصة قانونية من الدين وتوصيات إصلاحية، للقضاة وولاة الأمر تضع القضاء في إطاره الصحيح: بين الدين والقانون.
أولاً: الرؤيا: مشهد من اليوم المهيب :
➖➖➖➖➖
يحكي أحد القضاة أنه رأى في منامه مشهداً هائلاً من مشاهد يوم القيامة. وقف بين يدي اللَّه تعالى للحساب، وإذا بطابور طويل من الناس يتقدمون، كلهم ممن فصل في قضاياهم في الدنيا.
سأله اللَّه عن كل حكم: لماذا حكمت كذا؟ لماذا أسرعت؟ لماذا لم تتثبت؟ والقاضي يحاول
ارسال الخبر الى: